صفار البيض

سرعان ما تندلق هذه البيضة من أحشاء الدجاجة حيث الدفء و الأمان إلى أنامل مروان الصغيرة...مروان ولدي قطعة من كبدي. الحق أنني لم أكن أحفل أيام الشباب بمقولة (أولادنا أكبادنا التي تمشي على الأرض ) ،كنت أجد فيها مبالغة لا مساغ لها..لكن بعد الزواج أصبحت من أنصار تلك المقولة الخالدة. البيضة مازالت دافئة حينما تلقفها مروان...قشرتها رخوة شيئا ما و لا خوف عليها ما دامت بين تلك الأنامل الرخوة أيضا. لقد احتفلنا  بعيد ميلاده الرابع منذ شهر فقط. أنا لا أزال واقفا أمام نافذتي،

هذا الإطار الخشبي المهترىء  ...إنها تفضي إلي بأسرار الخارج . مشاهد تتدفق إلى ناظري دون توقف و بالمجان...و عينا مروان هما النافذة إلى أعماقي .إلى الأنا الصامت في جوفي و ما يحويه من تلك التضاريس العنيدة التي لم يغشها بشر من قبل سوى مروان..كنت أتلذذ بإشراق الدنيا و إقبالها و أتلمس مذاق الربيع حين تبسم لي مقلتا مروان... و أجد قصف الرعود و نزف العواصف و بكاء الخريف حينما تتبدد الابتسامة من عيني ولدي. غادرت النافذة المعطاءة و التحقت بمرسمي،غبار الغياب و أردية الكسل و ضراوة الشتاء لا تزال تظلل جدرانه الصفراء...لطالما فكرت في طلاءها بلون آخر. مروان لا يطيق المكث معي كثيرا هنا. و كأنه يجلس على أريكة من الشوك و سرعان ما تنتابه نوبة بكاء حاد...لم أكن أعرف سبب هذا الانفعال  إلا مؤخرا. قالت زوجتي ضاحكة – غير لون جدران المرسم  أيها الفنان و سيطمئن الصبي و يمكث معك ما شئت من الوقت ). مروان إذن يعشق كل الألوان ما عدا الأصفر ..انه يبغض هذا اللون و يرتاع منه.

تأملت المرسم مليا ..اعتصرت الأفكار من خلايا دماغي ، أكيد أن الشيخوخة ستطبق على تلك الخلايا إذا لم يتشرب بصري بمشهد الألوان اللذيذ...هرعت إلى فتح الأصباغ و مزجها و في ثواني قليلة كانت هنا ملحمة صارخة من شتى الألوان. نشوة عارمة تهز شبكية مقلتي و تبث فيها الانتعاش و القوة بعد يوميات قاتمة من الكسل  و الصقيع أضفى عليها الشتاء الضاري  خمولا إلى خمول...بسطت قماش لوحتي ،إنها مملكتي الرحيبة و تلك الأصباغ هي أجنادي و خيولي و حشمي. و الريشة؟ إنها الحسناء  التي نسعى جميعنا لنرابط أمام شطآن جداولها لنرتوي .

أبت..أبت..أبت..قطع علي مروان ذلك الخيط الهلامي من التأمل . خيط ضروري لكل رسام قبل أن يبادر إلى رسم لوحة جديدة ...كانت البيضة لا تزال تضطرب بين أنامله المتعرقة مثلما تضطرب الريشة بين أناملي الناحلة.

- نعم بني. ألم تتناول بعد بيضتك الطازجة ؟-

- حينا يا أبتي – ثقب القشرة..راح يمتص البيضة . نعم دون طهيها . كان يهوى التهام البيض طازجا.

- أبتي أحتار بماذا أبدأ أولا ؟ صفار البيض أم بياضه ؟ - و تجهم وجهه عند كلمة صفار البيض.

أجبته و ريشتي تداعب قماش اللوحة – الترتيب غير مهم أحيانا. إذا كنت  مكانك مزجتهما معا و أرسلتهما إلى جوفي دفعة واحدة- ضحك الصبي طويلا لهذا الحل السريع، ربما هو استخفاف منه...صمت فجأة  و غادر المرسم مسرعا و كأن الجدران الصفراء دفعته إلى ذلك دفعا...فرغت من رسم اللوحة بعد لأي. خرجت أتمشى في الحديقة طلبا للأوكسجين . سيجارتي تتدلى بين أصابعي المنهكة...جلست على مقربة من أقفاص الدجاج ..بيضتان هناك تتألقان في خجل. ضحكت و أنا أخاطب نفسي- تمتعا بهذه الدقائق قبل أن يفترسكما مروان -...دفعني الفضول للطواف بتلك الأقفاص. استرعى انتباهي حاجر خشبي متواري عن الأنظار خلف تلك الأقفاص. ألقيت ببصري خلف الحاجز..ياه..ياه..ياه. هتفت ذاهلا ..ماذا أشاهد؟ مقبرة من صفار البيض، بقع صفراء كثيرة تشبه الدنانير. بعضها رخو و بعضها الآخر يابس، و هنا في الحافة صفار بيضة جديد لا يزال طازجا.

 

آخر مواضيع المنتديات

لايمكن العثور على التغذية الإخبارية

تسجيل الدخول

إصدار شعري

بحث متقدم