المحصِّل

إلى قطار الدرجة الثانية والثالثة على رصيف 8 المتجه من المنصورة إلى القاهرة، وفي زمهرير الشتاء حيث تتخشب العظام وتخترق رائحة التراب المغسول بماء المطر أنوف السائرين، يتجه عم سعيد محصل التذاكر بخفة وعلى مضض بينما يتحول جسده إلى قطعة صغيرة ملفوفة بين ذراعيه اتقاءً لهذا البرد القارص.
                 
على نفس الرصيف يهرول الركاب في صورة غريبة كأنهم فئران تعدو فزعةً

أمام أطفال مرحى. الكل يحاول اهتبال الفرصة ليلحق بمكان في هذا القطار المعروف بشدة ازدحام الركاب فيه، خاصة وأن الجنود المتجهين لمعسكرات الجيش في القاهرة يستقلون هذا القطار بالذات ليلحقوا بوحداتهم في مواعيدهم. أم تجرجر وراءها أطفالها، وعجوز يمسك بحقيبته بقوة واستماتة، وشباب قوي ينهب الأرض نهباً ويتخطى الرقاب في منظر من أعجب ما يكون عندما ترى هؤلاء الشباب يسيرون فوق جموع الكتل البشرية وكأنهم يسبحون على رؤوسهم.

محظوظ عم سعيد نوعا ما لأن ثيابه الرسمي الأزرق الذي يذكره دوما بنزلاء السجن يجعل البسطاء من الركاب يفسحون له الطريق آملين في أن يعطف عليهم ويعفيهم من ثمن التذكرة.

أنواع شتى من البشر كلهم يبدو وكأنهم خرجوا من السرير مباشرة إلى القطار، ويظهر هذا في ترتيب ثيابهم وذبول أعينهم التي استفاقت من النوم غصبا لتعصرها دوامة الحياة القاسية، ولتكون ترسا نكرة في آلة ضخمة مع دورة جديدة لا تنتهي من الحياة.

تنطلق صفارة القطار بعدما يشير عم سعيد لصديقه السائق المبتسم دائماً رغم كل شيء، ويلوح عم سعيد بذراعيه بينما يقطب جبينه وينظر في جموع الناس حوله مزهوا وكأن هذا القطار قد ورثه عن أبيه، وكأنه الآمر الناهي هنا في هذا المكان.

يتحرك القطار ببطء وترتعش الأقدام التي ما تزال عاجزة عن حمل الجسوم لأن العقل لم يستفق بعد من آثار النوم الثقيل الذي جاء بعد أمس عسير من العمل الثقيل المضني.

الباعة الجائلون بالقطار هم الأكثر نشاطا وصراخا وجريا في القطار، ولهم قدرة عجيبة على التسلل بين جموع الأجسام المتلاصقة التي أوجد لها البرد القارص مبرراً.

أصوات كثيرة متداخلة، وضحكات عالية، وتذمر وتنهدات وبطش وعنف ونظرات شيطانية وأخرى ملائكية وأطفال ونساء وشباب وشيوخ...هذا هو القطار.

يقترب عم سعيد الآن من الركاب واحدا واحداً، ولا ينسى أن يتفحص حمامات القطار، وهي في الحقيقة ليست كذلك لأنها بلا ماء أو شبابيك أو أحواض، بل إن رائحتها ومنظرها تجعل الكلب يستنكف أن يمر من جانبها، ومع ذلك تجد عليها زحاماً شديدا وخاصة من خالد، هذا الشاب الجامعي الوسيم ذو الملامح الملائكية الجميلة التي تجذب عيون الفتيات والبنات فيطأطيء رأسه بحياء وأدب بينما يحسده كل رواد القطار. خالد عليه آثار الدين ويدرس في القاهرة وتبدو عليه رقة الحال وتنطق ملامحه بصفاء التأمل وحب الخلوة والذهول، ففي كل مرة يكلمه عم سعيد بينما ينطق خالد فجأة: نعم هل قلت شيئاً. التذكرة؟ حاضر. تفضل. ولا يدري عم سعيد ما الذي يجعله هو الآخر محبا لهذا الشاب مما يدفعه دوما للدعاء له برغم أن عم سعيد ليس بهذه الدرجة من الخشوع والدين لكنه يشعر أن هذا الشاب ليس عادياً وأن وراءه قصة كبيرة.

على مسافة متر واحد من الحمام، وبعد أن يفحص عم سعيد كل هذه التذاكر بين الشباب الذي يحلو لعم سعيد مداعبته بأنه شباب فاسد لا يهتم سوى بالبنات والتسكع في القطارات، ينادي عم سعيد بأعلى صوته على السيدة صاحبة الطست الذي يمثل لها رأس مالها وأملها وقيمتها في هذه الدنيا. هو طست من الجبن الفلاحي حيث تصنعه هذه الأم المسكينة التي تجلس بجوارها ابنتها الصغيرة رائعة الجمال التي تمسك بكتيب صغير في يدها عنوانه: عم سمعان وحديقة الحيوان، وكلاهما، السيدة وابنتها يثيران العديد من الأسئلة الحزينة في نفس عم سعيد الذي يتصنع القسوة والحزم ليتعامل مع هذا السوق الصاخب لكنه في الحقيقة حنون ورقيق. كيف تستطيع هذه المرأة حمل هذا الطست الذي يعجز عن حمله أعتى الرجال بدون أن يندلق الجبن منه، وكيف تحصلت بنتها على هذا الكتيب. كيف تستطيع هذه المرأة حماية نفسها وسط هذا السوق المليء باللصوص من سارقي النقود والأعراض. على كل حال يقول عم سعيد في نفسه سأفعل ما بوسعي لأحسب لها نصف تذكرة تخفيفا عليها خاصة وأنها لا تكمل الرحلة بل تنزل في محطة بنها لتبيع الجبن هناك.

شباب القطار كلهم تنطق أعينهم بالجوع سواء كان جوعا للطعام أو المال أو الجنس، إنه جوع والسلام كما يعلم عم سعيد الذي أصبح الآن يمتهن الحكمة وسبك النصائح للجميع من حوله. الآن، وبعد أن صار طاعن السن، ولم تعد سوى شهور بسيطة على وصوله للمعاش، وبرغم كرهه وسبه ولعنه لهذه المهنة إلا أنه كلما تذكر أنه بعد شهور قليلة لن يكون هنا، وسيكون حبيس البيت تنزل الدموع من عينيه، لكن ما حيلته...هكذا الدنيا كما يقول هو دائماً. يقول عم سعيد في نفسه. لم أعد نادما على أي شيء فات من عمري ولا على غنى لم أحصله أو متعة لم أقتنصها ببساطة لأن ما فات هو حياتي أنا وقدري أنا وليس أحب إلي من نفسي وإن لم أكن عليها رحيما فكيف أنتظر الحنان من غيري خاصة وأني مقطوع من شجرة ولم أنجب سوى بنات أنتظر تزويجهن بفارغ الصبر حتى أموت مستريحاً، وكان الله في عون هذه القوافل المعذبة من البشر.

وسط هذه الكتل البشرية التي يحكي كل فرد منها قصة وعبرة وتسلية، خاصة هؤلاء الباعة الذين يثيرون في النفس الضحك والبكاء، فمنهم الأعمى الذي يسير في القطار بخفة ومرونة ليست تتوفر للمبصرين، وهذا الأعرج وهذه المرأة وهذه البنت وكلهم شحاذون نصابون في الحقيقة يعرفهم عم سعيد جيداً ويفضحهم في كل مرة لكن الناس لا يصدقونه بينما ينخدعون برضاهم بالتمثيلية التي يصنعها هؤلاء الشحاذون وربما أن القروش الزهيدة التي يدفعونها هي عوض عن هذا الاسكتش الذي يقدمه هؤلاء الشحاذون الظرفاء.

يصل القطار أخيراً وبعد أربع ساعات إلى القاهرة ويتنفس الناس الصعداء بعد رحلة عسيرة ويترجل عم سعيد ليسارع بفتح ذراعيه لاحتضان أصحابه على المحطة ويجري منطلقا بخفة وكأنه قد أنهى أخيراً رحلة الأسفار الشاقة ولن يعود إلى هذه الرحلة التعيسة مرة أخرى على الأقل في هذا اليوم، فليفرح إذن فرح الركاب النازلين من القطار إلى الدنيا الواسعة. وبينما يجري عم سعيد بخفة إذ به يسقط على الرصيف ميتاً أمام جموع الناس التي تعرفه ويعرفها فلا يجري عليه إلا قليل من أصحابه ليكتشفوا فجأة أنه قد مات، وبينما تنطلق صرخاتهم ويزداد نحيبهم وبكاء سائق القطار، يسير الركاب وكأن شيئاً لم يكن وفي اليوم التالي ومن نفس رصيف نمرة 8 في المنصورة تنطلق صفارة القطار لكن من محصل جديد وليس عم سعيد هذه المرة ويدخل المحصل الجديد بنفس الخفة إلى القطار ويقطع القطار كله ذهوبا وجيئة لكن أحداً لم يسأله أبداً : أين عم سعيد إلا خالد الذي ما إن علم حتى ذرف دمعة ورد له الجميل بدعوة قائلاً: الله يرحمه، لكن الحياة عادت كما هي، وفي اليوم التالي ركب خالد القطار وتعرف على المحصل الجديد، ولم يترحم أحد بعد هذا على عم سعيد.