الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
آخر مواضيع مجلة أقلام
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | اجعلنا صفحة البدايةطلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

أقلام الآن على و

آخر 10 مشاركات
كاريكاتير الترفيهي (الكاتـب : سلمى رشيد - آخر مشاركة : أنور عبد الله سيالة - )           »          فلسفة .. لمن يجرؤ..!! (الكاتـب : سميرة جوهر - آخر مشاركة : راحيل الأيسر - )           »          بلا تعليق والأيام تسير (الكاتـب : ادهم عيسى - )           »          غريب (الكاتـب : قاسم أسعد - آخر مشاركة : فاطِمة أحمد - )           »          إحباط. (الكاتـب : هارون غزي المحامي - )           »          عاد شاكراً ربّه (الكاتـب : جومرد حاجي - آخر مشاركة : قاسم أسعد - )           »          نظرتان... (الكاتـب : بولمدايس عبد المالك - آخر مشاركة : قاسم أسعد - )           »          إنفصام.... (الكاتـب : فاكية صباحي - آخر مشاركة : قاسم أسعد - )           »          اذكروا الله يذكركم (الكاتـب : فاكية صباحي - )           »          مائة قصة ..( لمن أراد أن يصلح نفسه ) (الكاتـب : فاكية صباحي - )


الشريط التفاعلي


العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول

منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم .

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 15-08-2005, 05:40 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
رائد الحاج عثمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







رائد الحاج عثمان غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى رائد الحاج عثمان إرسال رسالة عبر Yahoo إلى رائد الحاج عثمان

افتراضي مجموعة قصص.....غسان كنفاني

موت سرير رقم 12
1961


الإهداء

إلى أختي فائزة...
إن كان في القصص ما يستحق أن يهدى إلى العزيزة فائزة..

غسان


مقدمـــــــة

جرت العادة أن يحصل الإنتاج الأول لأي كاتب على " جواز مرور " للقارئ... كلمة لقلم مشهور تتصدر الكتاب..أو جمل موجزة على ظهر الغلاف، أو حملة دعائية واسعة يشترك فيها الكاتب والناشر وأصدقاء الطرفين، يحكون فيها كيف خلقت القصص، وكيف نزفها القلم المجروح، وكيف.. وكيف..
أنا أؤمن أن الكتاب يجب أن يقدم نفسه، وإذا عجز عن إحراز جزء من طموح كاتبه، فعلى الكاتب أن يقبل ذلك ببساطة، كما قبل ـ مرات ومرا ت ـ أن يمزق قصصاً ليعيد كتابتها.. أو يكتب سواها..
وهكذا ( فموت سرير رقم 12 )، أدفعها لتشق طريقها، إن استطاعت أن تهتدي إلى أول الطريق، بنفسها، دون " شفاعة " ودون " وساطة " ودون " جواز مرور "..
حتى هذه الكلمة، يجب أن لا تكتب لولا أنني أردت منها شرح نقطة واحدة..
مجموعة القصص قسمتها إلى ثلاثة أقسام.. ولم يكن الهدف من ذلك ملاحقة التطور الزمني، فبعض القصص قي القسم الأول كتبت في فترة زمنية أتت في أعقاب القصص التي كتبت في القسم الثالث مثلاً.. ولكن الهدف من هذا التقسيم هو الفصل بين ثلاثة أنواع من القصص، إذا عجزت هي نفسها عن توضيح الفرق بينها، فلن تستطيع هذه الكلمة الموجزة أن تفعل..
ولابد أيضاً، ولو بدا ذلك غريبا بعض الشيء، أن أرسل عزائي إلى العائلة المجهولة التي فجعت بموت ابنها " محمد علي اكبر " الذي مات بعيدا، وحيدا، غريبا، على السرير رقم 12، وهو ينزف عرقاً نبيلاً في سبيل لقمة شريفة..



غسان كنفاني



القسم الأول

البومة في غرفة بعيدة
شيء لا يذهب
منتصف أيار
كعك على الرصيف
في جنازتي
الأرجوحة






التوقيع

أقسمت ويشهد لي قسمي
سأفدي شموخك يا علمي
ما دام النسر على القمم
يعانق مجدك .....سوريا

 
رد مع اقتباس
قديم 15-08-2005, 05:41 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
رائد الحاج عثمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







رائد الحاج عثمان غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى رائد الحاج عثمان إرسال رسالة عبر Yahoo إلى رائد الحاج عثمان

افتراضي

البومة في غرفة بعيدة

كل صور عدد كانون الاول من المجلة الهندية "أ.." كانت رائعة ، ولكن أروعها بلا شك صورة ملونة لبومة مبتلة بماء المطر .. وتكمن كل روعها في لحظة اللقطة الموفقة ، وفي براعة الزاوية .. واهم من هذا كله : في اصطياد النظرة الحقيقية للبومة المختبئة في ظل ليل بلا قمر .
كنت في غرفتي : غرفة عازب بجدران عارية تشابه إحساسه بالوحدة والعزلة .. أرضها متسخة بأوراق لا يدري أحد من أين جاءت ، والكتب تتكدس فوق طاولة ذات ثلاث قوائم رفيعة ، أما القائمة الرابعة فلقد استعملت يداً لمكنسة ما لبثت أن ضاعت .. والملابس تتكوم فوق مسمار طويل حفر عدة ثقوب بظهر الباب قبل ان يرتكز نهائياً في ثقبه الحالي .
قلت لنفسي وأنا أشد بصري إلى صورة البومة الرائعة :
- يجب أن تعلق هذه الصورة على حائط ما .. فذلك يكسب الغرفة بلا شك شيئاً من الحياة والمشاركة ...
- ألصقت الصورة بالفعل على الحائط المقابل للسرير ، وأطرتها بورقة بنية كي تنسجم مع الحائط بشكل من الأشكال ، كان العمل الفني ، إذن ، قد أخذ سبيله إلى الغرفة وكان لابد أن اغبط نفسي على التقاط هذه الصورة .

عندما آويت لفراشي في منتصف الليل فاجأتني الصورة ، كان ضوء الغرفة خفيفاً بعض الشيء ، وقد يكون هذا هو السبب الذي من اجله بدت لي الصورة في غاية البشاعة ، كان رأس البومة اكبر من المعتاد وكان يشبه شكلاً رمزياً لقلب مفلطح بعض الشيء ، أما المنقار الأسود فلقد كان معقوفاً بصورة حادة حتى ليشبه من منجلاً عريض النصل ، والعينان كانتا مستديرتين كبيرتين يختفي أعلاهما تحت انحناءة الحاجبين الغاضبين ، كان في العيني غضب وحشي ، وكانت النظرة – رغم ذلك – تحتوي خوفاً يائساً مشوباً بتحفز بطولي وتشبه إلى حد بعيد نظرة إنسان خضع فجأة للحظة ما ، عليه أن يختار فيها بين أن يموت ، أو أن يهرب كان الوجه مخيفاً وبدا أن العيون المستديرة اللماعة باماضة حية ، كانت تحدق عبر صمت الغرفة ، وتخترق برعشتها الحية جمجمتي ، وتقول بصرير حار :
- أتذكر ؟ .. لقد التقينا مرة قبل الآن

أطفأت الضوء الشاحب ، ودفنت رأسي في الغطاء الموسخ بعرق الصيف اللزج ، ورغم ذلك ، فلقد كنت أرى العينين الغاضبتين الخائفتين تخترقان الظلمة وتحدقان في ، كان وجه البومة المتحدي لضغط لحظة ليس فيها سوى الإختيار بين الموت والفرار مائلاً في رأسي كأنني لم احول نظري عنه بعيداً ، ملحاحاً ، غضوباً يتمسح باشمئزاز ساخر ، وعبثاً ذهبت كافة المحاولات التي بذلتها لأسلخ الصورة عن رأسي ، كانت شيئاً قد دخل إلى الغرفة العاريـة ، وعلى إحساسي ، وتمزق الصمت الميت تحت الصرير الحاد الذي كان ما يزال ينحدر من المنقار الأسود المعقوف :
- لقد تقابلنا مره قبل الأن ... اتذكر ؟ !

شعرت فجأة بأنني أعرف هذا الوجه تماماً ، وأني أرتبط معه بذكرى يجب أن لا تمحى ، نعم ، أنا أعرف تينك العينين الحادتين الغاضبتين الصامدتين للحظة اختيار مخيفة ..لكن أين تقابلن ؟ متى ؟ كيف ؟

لقد بدا كل شيء مغلفاً بضباب متكاثف ، ورغم ذلك كانت ثمة ذكرى تلتمع من بعيد ، إلا أنها كانت غامضة مغرقة في البعد ، هناك سد كثيف يحول دون رأسي وتلك الذكرى ، وكان لابد من التذكر . فعينا البومة الغاضبتين تبعثان دفقة إحساس حاد في نفسي بأننا قد تعارفنا قبل الآن .. ولكن متى ؟ وكيف ؟ وأين ؟ .

نهضت من فراشي إذ تيقنت استحالة النوم تحت تلك الوطأة وأضأت المصباح ثم وقفت أما الصورة الملونة : العيون هي ، لم تزل ، تطل غاضبة واسعة مغروسة في الوجه المفلطح العجيب . والمنقار المعقوف كنصل عريض لمنجل أسود ، لم يزل ، يطبق بعنف على ضرب من الاشمئزاز الساخر ، والريش الرمادي الملون بحمرة وقحة يتجمع خصلاً كصوف قذر بعد أن ابتل بماء المطر .

سقطت الذكرى ، بعد فترة ، فاصلة مدوية صاخبة فأورثتني دواراً مفاجئاً ، والتمعت خلال الضباب المتكاثف كل الأشياء التي ذكرتني بها البومة المخيفة ، وبدا لي أننا نعرف بعضنا جيداً .

***
كان ذلك قبل عشر سنوات على وجه التقريب ، كنت في قريتي الصغيرة التي تتساند دورها كتفاً إلى كتف فوق حاراتها الموحلة ، أذكرها الآن أشباحاً تتلامح منذ زمن بعيد ، كنت طفلاً آنذاك ، وكنا نشهد ، دون أن نقدر على الاختيار ، كيف كانت تتساقط فلسطين شبراً شبراً وكيف كنا نتراجع شبراً شبراً . كانت البنادق العتيقة في أيدي الرجال الخشنة تمر أمام أعيننا كأساطير دموية ، وأصوات القذائف البعيدة تدلنا أن معركة تقع الآن ، وأن – ثمة – أمهات يفقدن أزواجهن ، واطفال يفقدون آباءهم ، وهم ينظرون عبر النوافذ ، صامتين ، إلى ساحة الموت .

لا اعرف في أي يوم وقع الحدث ، حتى ابي أيضاً نسي ذلك ، كان اليوم المشؤوم ، كان أكبر من أن يتسعه اسم أو رقم ، لقد كان في حد ذاته علامة من علائم الزمن الكبيرة ، من تلك التي توضع في مجرى التاريخ كي يقول الناس " حدث ذلك بعد شهر من يوم المذبحة " .. مثلاً .. كان يوماً من تلك الأيام لا شك ، وإلا لكنا حشرناه تحت رقم او تحت اسم أو تحت عنوان .

لقد بدأ الهجوم قبيل منتصف الليل وقال أبي الشيخ لامي فيما هو يتنكب بندقيته الثقيلة :
- انه هجوم كبير هذه المرة ..
ولقد عرفنا ، نحن الصغار من أصوات الطلقات أنه هناك أسلحة جديدة وأن هناك هجوماً من ناحية أخرى لم تطرق قبل الآن .. وان قنابل حارقة قد سقطت في وسط القرية فأحرقت بيتاً وأطفالا ، وحين نظرنا من خصاص النافذة الواطئه شاهدنا كمن يحلم – أشباح نسوة منحنيات يسحبن جثثاً إلى داخل القرية ، وكان يستطيع المستمع بإمعان أن يلتقط صوت نشيج مخنوق : إحداهن – هكذا كانت تشير أمي – فقدت زوجها وصمودها في آن معاً .

بعد ساعة من الهجوم المباغث ، تراجع رجالنا ، كانت جهنم قد صعدت إلى ظهر قريتنا ، وبدا لنا أن النجوم أخذت تتساقط على بيوتنا ، وقالت امرأة مرت تحت شباكنا تسحب جثة وتلهث :
- انهم يقاتلون بالفؤوس ..
وقتال الفؤوس لم يكن غريباً على رجال قريتنا ، فلقد كان الفأس هو سلاح الواحد منهم بعد أن تتقيأ بندقيته كل ما في جوفها ، فكان يحملها على كتفه زاحفاً فوق الأشواك الجافة ، ثم يشاهد المحاربون من خنادقهم الرطبة شبح انسان راكع ، يرفع كلتا يديه فوق رأسه ما وسعه ذلك ، وبين كفيه يتصلب فأسه الثقيل ، ثم يهوي الفأس ، ويتصاعد صوت ارتطام عريض مخنوق ، ويبتلع الظلام أنة ممدودة يعقبها شخير عنيف ، ثم يصمت كل شيء .

لقد بدأ قتال الفؤوس إذن ، هذا يعني أن الرجال قد تلاحموا ، وأن جثثنا كثيرة قد ضاعت في خطوط الأعداء مطبقة أكفها بتشنج عنيد على الفأس ، واضعة أنوفها براحة مطلقة على التراب الطيب ، ومستلقية بهدوء .

بدأت قريتنا تنكمش ، ولم يعد هناك أي عمل للشيوخ غير أن يعودوا إلى بيوتهم ، ولقد شاهدنا أبي يعود منهكاً ، ولكنه لم يضع أية لحظة بل توجه لتوه على درج عتيق كان محظوراً علينا الاقتراب منه وتناول مسدساً صغيراً دفعه لأمي بعد أن تأكد من حشوه ، وأشار لها بعينيه تجاهنا ، أنا وأخوتي ، وقفل عائداً إلى الشارع .

كانت أختي الكبيرة قد فهمت كل شيء ، فأخذت تبكي دافنة رأسها في كفيها ، بينما ارتعشت أمي وهي تحمل المسدس على راحتها وتتوجه إلى النافذة ، في تلك اللحظة قرع باب عتيق كان يفصل بيننا وبين جيراننا – ولم نكن نستعمل ذلك الباب على الإطلاق – وصاح صوت العجوز ، جارنا ، راجفاً : _ افتحوا .. افتحوا ..
أز الباب أزيزاً رفيعاً إذ سحبته أمي فاندفع العجوز إلى الغرفة خائفاً ، وأجال بصره فينا ، ثم توجه لامي وهمس في أذنها كلاماً أبدت استنكارها له ، ثم عاد فهمس بحماس اكثر. فترددت أمي ثم هزت رأسها موافقة ، وأشارت إلي أن أتبع العجوز إلى بيته ..

دخلت خلف العجوز إلى غرفة دافئة مفروشة ببسط ملونة . وأخذت أراقبه فيما هو يحرك ستارة ، ويتناول من ورائها صندوقاً صغيراً يضعه برفق بين ذراعي ، شعرت أن الصندوق أثقل من ما يبدو فتساءلت برأسي واتاني الجواب من فمه الأدرد :
- هذه قنابل كان المرحوم ابني خبأها هنا .

وهز رأسه بأسى ، وانتبهت لكلمة ( المرحوم ) التي لم تكن تستعمل قبل ذلك في هذه الغرفة ، ولا في بقية الغرف ، فراودني شعور بالخوف بينما استمر الشيخ :
- يوشك اليهود أن يدخلوا القرية .. وإذا وجدوا هذه عندي قامت قيامتهم !
وتباطأت كلماته ، وبدأ يحرك إصبعه في وجهي حركة تحذير :
- أنت صغير ، وتستطيع أن تخترق الحديقة .. أريدك أن تدفن هذا الصندوق في أخرها .. تحت شجرة التين الكبيرة .. ربما احتجنا له فيما بعد ..

سرني أن أشارك بعمل بطولي ، فاندفعت إلى خارج الباب ، وعندما وجدت نفسي في الطريق إلى الحديقة تملكني خوف رهيب ، وحدثتني نفسي ، وهي ترتجف أن ألقي حملي الثقيل وأقفل عائداً أدراجي ، لكني تنبهت إلى أن أمي لاشك تطل من نافذتها وتشاهدني ، كانت السماء شبه مضاءة بقنابل اللهب ، وكانت الشرارات تلتمع في الأفق راسمة خطوطاً مقطعة ً منتهيةً بضوء ساطع ، وفي لحظات الصمت المخيفة التي كانت تتبع كل دفقة نار كانت تسمع أصوات ما تبقى من رجالنا تغني على طريقتها في المعارك غناء يبدو كأنه يتصاعد من عالم آخر ، عالم يموت فيه الإنسان وهو يعض على بقية الأغنية الحلوة ، ثم يتمها هناك في السماء .

اخترقت الحديقة منحنياً ، وكانت الطلقات تمس أعلى الشجر بصفير خافت ، وكانت التينة العجوز تنتصب في آخر الحديقة عندما وصلتها شعرت بحماسة غامضة ، وأنشأت أحفر في الأرض مستعيناً بعودة صلبة ، وفي اللحظة التي أسقطت فيها الصندوق بالحفرة ، سمعت صيحة حادة في أعلى الشجرة .. وتملكني خوف أسقط ركبتي إلى الأرض وأخذت أحدق مرتجفاً عبر الأغصان .. ثم شاهدتها ، على ضوء اللهب المتصاعد في سماء قريتنا ، تقف هناك وتحدق إلي بعينين واسعتين غاضبتين أخفى أعلاهما انحدار الحاجب عليهما .. كان منقارها معقوفاً كمنجل اسود ذي نصل عريض ، ورأسها الكبير كصورة قلب رمزي مفلطح يتمايل بانتظام ، كان ريشها مبتلاً بماء المطر الذي انهمر في أول الليل ، وكان يومض في عيونها ذلك الغضب المشوب بخوف غريب ، وكانت تحدق إلي عبر الظلمة ، تحديقاً متواصلاً لا يرتعش .

هدأ الرعب في صدري ، وعدت إلى عملي حتى إذا أكملت أنشأت أنظر إلى البومة بإمعان ، كانت ما تزال على وضعها الأول وكان ضوء القنابل المباغت يعطي لعيونها ظلالاً مرعبةً ، وبدت لي أنها مصرة على وقوفها المتحدي ، وأنها سوف تبقى رغم كل الرصاص والموت.

عدت أدراجي إلى البيت ببطء وهدوء فلقد زايلني كل خوف كنت أحسه قبل أن أراها .. ثم لم املك إلا أن أتوقف هنيهة وأعود إلى النظر إليها ، كانت ما تزال تحرك رأسها المفلطح بتحذير إنساني عميق ، وعلى إماضة قنبلة بعيدة ، شاهدت في عينيها ذلك التحدي الباسل ، الخائف بعض الشيء ، ولكن الصامد لضغط لحظة اختيار واحدة بين الفرار والموت .

***
وأوشك الصبح أن يطلع وأنا في وقفتي أمام الصورة الملونة الملصوقة على الحائط العاري .. لقد أنهكتني الذكرى ولكني أحسست بارتياح غريب فجأة ، فهأنذا ألتقي بالبومة الغاضبة بعد غيبة طويلة ! وأين ؟ في غرفة منعزلة مترامية تتنفس بوحدة مقيتة ، بعيداً عن قريتي التي كانت تعبق برائحة البطولات والموت ، وكانت البومة لا تزال ملصوقة على الحائط تحدق في ، عبر زمن متباعد وينحدر منقارها المعقوف صرير حاد :
- آيه أيها المسكين .. هل تذكرتني الآن ؟؟ !



الكويت - 1959







التوقيع

أقسمت ويشهد لي قسمي
سأفدي شموخك يا علمي
ما دام النسر على القمم
يعانق مجدك .....سوريا

 
رد مع اقتباس
قديم 15-08-2005, 05:59 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
حسن محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو






حسن محمد غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي

لكم احترم هذا الرائع العظيم غسان كنفاني

وبراعه ما خطت اقلامه من روعة الابداع والرقي الحرفي



واحترم لك اخي رائد هذه البادرة الرائعة لابراز شخصية هذا القلم البراق على مر الاجيال







التوقيع

لا تصالح على الدم .. حتى بدم !
لا تصالح ! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك ؟!
أعيناه عينا أخيك ؟!
وهل تتساوى يدٌ .. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك ؟

 
رد مع اقتباس
قديم 17-08-2005, 12:50 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
أيمن جعفر
أقلامي
 
إحصائية العضو







أيمن جعفر غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى أيمن جعفر

افتراضي

الغالي رائد الحاج عثمان
فكرة رائعة ، و جهد موضع تقدير .
دوما ً كان غسان كنفاني مبدعا ً ، و سيكون
من مبعث السرور أنْ نجد ابداعاته هاهنا ، بجميل
نقل منك أخي .
شكري و تقديري .






التوقيع

عقل الكاتب في قلمه

( أمير المؤمنين عليّ )


 
رد مع اقتباس
قديم 18-08-2005, 01:44 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
رائد الحاج عثمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







رائد الحاج عثمان غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى رائد الحاج عثمان إرسال رسالة عبر Yahoo إلى رائد الحاج عثمان

افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسن محمد
لكم احترم هذا الرائع العظيم غسان كنفاني

وبراعه ما خطت اقلامه من روعة الابداع والرقي الحرفي



واحترم لك اخي رائد هذه البادرة الرائعة لابراز شخصية هذا القلم البراق على مر الاجيال


واجبنا أخي الكريم أن نبرز عظمائنا وغسان كنفاني قلم يحمل من نكهة الأرض الطاهرة هناك حيث لا تغيب الشمس

أحلى تحياتي






التوقيع

أقسمت ويشهد لي قسمي
سأفدي شموخك يا علمي
ما دام النسر على القمم
يعانق مجدك .....سوريا

 
رد مع اقتباس
قديم 18-08-2005, 01:47 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
رائد الحاج عثمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







رائد الحاج عثمان غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى رائد الحاج عثمان إرسال رسالة عبر Yahoo إلى رائد الحاج عثمان

افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أيمن جعفر
الغالي رائد الحاج عثمان
فكرة رائعة ، و جهد موضع تقدير .
دوما ً كان غسان كنفاني مبدعا ً ، و سيكون
من مبعث السرور أنْ نجد ابداعاته هاهنا ، بجميل
نقل منك أخي .
شكري و تقديري .

أخي الغالي أيمن
شكراً لمرورك الغالي
سأحاول جهدي ها هنا أن أنقل للمبدع كنفاني وأتمنى منك دوام الزيارة


أحلى تحياتي






التوقيع

أقسمت ويشهد لي قسمي
سأفدي شموخك يا علمي
ما دام النسر على القمم
يعانق مجدك .....سوريا

 
رد مع اقتباس
قديم 18-08-2005, 01:51 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
رائد الحاج عثمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







رائد الحاج عثمان غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى رائد الحاج عثمان إرسال رسالة عبر Yahoo إلى رائد الحاج عثمان

افتراضي شيء لا يذهب

القطار اللاهث يصعد الطريق الجميل إلى طهران ... قال لنا مفتش القطار قبل ان نغادر عبدان أن علينا أن نحرس أنفسنا، فالطريق طويل، واللصوص ينتهزون فرصة حلول الليل.. كي يمارسوا طريقتهم الخاصة في الحياة ..
قررت أن لا أنام ..فثمة كتاب ملون أستطيع أن أقرأه في الليل ... كتاب ألفه إنسان كان يحس أكثر من اللازم ، ويفهم أكثر من اللازم ... ومقصورتي في القطار متواضعة .. ايرانية جميلة تجلس في المقعد المقابل تفحصني كي تستكشف في اللص ، لم تطمئن إلي بعد ... وعجوز ، قد يكون أباها ، سقط في النوم قبل أن يخفق القطار بالرحلة الطويلة ... وصديق هادئ يجلس إلى جانبي يستعرض الطريق .. أحسن ما في هذا الصديق أنه لا يثرثر ، وإذا تكلم ... فاللغة العربية ..
أحسن طريقة كي أحرس نفسي ومن معي ، كما أوصانا المفتش السمين الذي يعرف سبع كلمات عربية ، أن لا أنام ... لقد أبدى المفتش السمين قلقه علي ... فأنا نحيل ذو وجه اصفر قد لا أستطيع أن أسهر .. ولكنني قلت له إنني استطيع .. ولم افهم نكتته الايرانية التي ضحك لها طويلاً وهو يغمز مشيراً إلى الحسناء .. بينما احمر وجه الأخيرة .. وصعدت القاطرة مع والدها العجوز ..
قال لي صديقي ان وجه الإيرانية لا يعجبه بتاتاً .. وأنها تشبه الدكتور مصدق .. الذي لو كان امرأة لما كان بديعاً قط... وهكذا اعتقد صديقي أنه إذا سنح له الحديث مع الحسناء فسيكون سيد الفرصة بلا غريم ... بعد ان اطمأن إلى أنه اقنعني بملاحظته ...
كنت في الحقيقة لاأرغب في الكلام .. كان الكتاب بديعاً .. طباعته انيقة ، وصوره فذة .. وكلماته ليست سوى غطاء بئر سحيق ، إذا ما تمكنت من رفعه ، فسوف لن ترى القاع البعيد مطلقاً ..
كان الكتاب يحمل اسم عمر الخيام ..
وقيمته بالنسبة لي هي أنه أشير مره إلى رباعية فيع بالقلم الرصاص .. وضعتها الفتاة التي أحببتها .. الرباعية تقول :
" آه أيها الحب .. لو أستطيع أنا وأنت أن نتفق مع القدر .. كي ندمر هذا الطابع الوحيد للعالم ..
إلى قطع صغيرة صغيرة ..
ثم نعيد بناءه من جديد .. كما تشتهي قلوبنا .."
فتحت على تلك الصفحة دون أن أشعر .. فرائحة الطريق الطويل بدت مثيرة .. كانت الدائرة المرسومة حول الرباعية بالقلم الرصاص تكاد ان تختفي . لقد مرت سنوات ثمان على اليوم الذي رسمت فيه هذه الدائرة .. ورغم ذلك فأنا لن انساها مطلقاً ..
لا أريد أن أنام في القاطرة .. لا لأحرس نفسي.. بل لأستعيد اللحظات الضبابية لما حدث قبل ثمان سنوات.. لقد بدأت العتمة تهبط .. وبدا لوهلة ان صوت العجلات المنتظمة .. موسيقى غريبة تدفع بهذا الراس المرهق .. إلى الماضي ..
***
اطمأنت الايرانية الحسناء أخيراً إلى أنني لست لصاً ، أو لست لصاً خطيراً على الأقل .. فاستسلمت لإففاءة قلقة .. وبقي صديقي يحدق في الطريق المعتم دون أن يكف عن التحديق في الحسن النائم أيضاً ..
كانت ليلى تطلب مني ألا انظر إليها عندما تنام .. كانت تعتقد أن تقاطيع وجهها تكون صادقة عندما تفقد التحكم بها .. وهي لا تريد أن أعرف شعورها الحقيقي تجاهي .. تخاف أن أصبح مغروراً ..
لم يكن اسمها ليلى .. كنت ادعوها ليلى لانها كانت تدعوني ( قيساً ) ..
دارنا في حيفا لم تكن بعيدة عن دارها كثيراً .. خلف أول منعطف يقع على يمين دارنا ، ليس عليك سوى أن تعد أربعة أبواب ثم تصعد بناية بيضاء إلى الطابق الثالث ، فستجد بيت ليلى لا محالة .. إذا لم تكن هذه البناية قد تهدمت بعد قصف حيفا ، فلا شك أن ليلى ما زالت تسكن هناك ..
لقد خرجت من حيفا قبل أن تسقط في يد اليهود .. ولم امسك بندقية في حياتي قط .. كان الشارع الطويل الذي ينصب فيه شارعنا هو ميداني الوحيد .. كنت مشهوراً في ذلك الشارع بأنني احدى علاماته ، وكان شباب حينا يقولون : " إذا اردت ان ترى خيري ، ففتش على اجمل فتاة في الشارع تجده خلفها ."
قالت لي ليلى لعد أن تعرفت عليها جيدا ً : أنت رجل مائع يا خيري .. ولكنك لست هكذا في حقيقتك .. ولهذا أعتقد انني ساحبك .
كانت ليلى من نوع آخر .. ولكنني لم اكن اعرف ذلك في أيام تعارفنا .. كنت أعرف أنها تخفي شيئاً ما .. ولكنني لم أكن اعلم ان تلك الفتاة الناعمة ..كانت تقوم بعمليات نسف ، يعجز عن تصورها رجل متوسط الشجاعة . ولم تقل لي ذلك مطلقاً إلا بعد الحادث المؤؤوم الذي وقع .
في الحقيقة ، انني لم اكن أعرف من هو عمر الخيام ، وهي التي علمتني عنه اشياء كثيرة .. كنت اعجب بصور كتابه أكثر من اعجابي برباعيته التي كنت اعتقد أنها هذيان إنسان مريض بنزلة صدرية حادة ..
الحب العنيف ، الذي كانت تسميه دوامة تغوص في مستنقع ، لم يستطع ان ينسيها القضية .. بل كانت تتعذب في سبيل أن تفهمني أن حياتنا ليست شيئاً .. وانها تبلغ ذروة قيمتها لو قدمت من اجل سعادة آلاف عيرنا ...
وعندما فهمت أول رباعية من رباعيات الخيام ، قلت لليلى إن هذا الرجل إنسان انهزامي .. كنت سعيداً بهذا الإكتشاف ، وقلت في ذات نفسي يومها أن ليلى ستكون فخورة بي ... ولكنها لم تقم بما يدل على انها فخورة .. قالت لي وهي تشير إلى الكتاب : " الإنسان الذي يحس أكثر من اللازم ، خير من الإنسان الذي لا يحس بالمره ... "
هذا " الإنسان الذي لا يحس بالمره " استطعت أن افهم مؤخراً انه انا .. ولم أغضب يوم أكتشفت ذلك .. إذ كانت قصتي مع ليلى قد انتهت يومذاك .
لكن ليلى تغيرت فيما بعد .. إذ انه في الوقت الذي كان يناضل فيه بعض الناس ، ويتفرج " بعضٌ : آخر ، كان هنالك " بعض " أخير يقوم بدور الخائن ..
وبواسطة هذا النوع الاخير من الناس ، قبض اليهود على ليلى وهي تحاول القيام بعمل لم اتمكن من معرفته قط . وعادت بعد تسعة ايام كاملة .. ولم تستطع أن تحفظ حياتها إلا بعد مجموعة لا أحد يدري كيف حدثت ..
اللحظة التي قابلتها فيها بعد عودتها من ": الهادار " لم تزل راسخة في ذهني .. كنت اتوقع أن اراها تبكي ، أو ترتجف .. إذ كنت قد سمعت من أفواه كثيرة قصص الليالي الفظيعة التي امضتها في السجن .. ولكنني عندما رايتها كانت هادئة هدوءاً مخيفاً .. لم يعد في عينيها أي بريق .. فقط وجه حزين صامت .
قالت لي بصوت منخف هادئ :
- لقد ضاجعوني طوال تسعة ايام ..
لم استطع أن اقول شيئاً .. بل لقد خيل إلي أنها قالت : " لقد كنت اصلي طوال تسعة ايام " .. شعرت أن الكلمة التي يمكن أن أواسيها بها شيء حقير .. لا قرار لحقارتها أبداً .. وانتشلت الموقف بكلمة أخرى :
- يحسن بك أن تتركني .. انا امرأة مهترئة ..
***
كان القطار قد وصل إلى محطة تقع في ثلث الطريق .. وبدأ يئز أزيزاً مزعجاً كي يقف .. صحت الإيرانية الحسناء وبدأت تتزين من جديد ، ما زال العجوزنائماً ، وصديقي يحدق بالطريق لقد مرت امامي أشجار صغيرة ... ثم بدأ رصيف المحطة مضاء بانوار باهتة ينسحب امام النافذة ...
على الرصيف لمحت طفلاً في السابعة من عمره تقريباً ، كانت ملابسه ممزقة ، ولكنها نظيفة .. كان يعد القاطرات باصبعه وهي تمر من امامه ببطء . كان يعد باللغة العربية ..
أشار صديقي إلى الطفل ... واصغينا سوية إلى صوته الدقيق .
- ستة .. سبعة .. ثمانية ..
هز صديقي رأسه وقال باقتضاب :
- عربستان ...
وتاسف قليلاً ، ثم هبط من القاطرة يبحث عن طعام .
الطفل الأسمر جميل الطلعة .. كان يبيع أشياء للتسلية ، ولكنه بدا أنه نسي وظيفته وهو يراقب القطار الطويل .. وكان يبدو منهكاً .. استدعيته إلى نافذتي وسالته بالعربية :
- ماذا تبيع ؟..
قال وهو يتسلق النافذة :
- وأنا عربي أيضاً ..
- ماذا يشتغل والدك ؟
- إنه يبيع الصحف . هناك ..
***
بدا القطار يخفق من جديد ... الطعام الذي أحضره صديقي لي ، اكلته الإيرانية ، لم اكن أرغب في الأكل ... كان الكتاب مازال مفتوحاً على الراعية التي يلفها خط يكاد يختفي بالقلم الرصاص .
وقرأت الراعية من جديد ، وبصوت عالي جعل الإيرانية تتوقف على المضغ :
" آه أيها الحب ، لو استطيع انا وأنت أن نتفق مع القدر على تدمير هذا الطابع البائس الوحيد للعالم إلى قطع صغيرة صغيرة .. ثم نعيد بناوءه من جديد كما تشتهي قلوبنا .. "
لم أكن قد استحق ليلى .. كانت احسن مني بكثير ، كنت جباناً ، اخاف من الموت ... ورفضت ان احمل سلاحاً كي ادافع عن حيفا .. كنت في رأس الناقورة عندما قالوا ان حيفا سقطت في يد اليهود ، ولا أدري لماذا تذكرت لحظتذاك جملة قالتها ليلى قبل ان أغادر حيفا :
- إنني لا استطيع أن أنس التسعة أيام القاسية .. ولكتي أريد أن استمر في .. الدفاع عن حيفا .. انا أعرف أنني قدمت شيئاً أكثر من حياتي .. ولكنني اريد أن اقدم حياتي نفسها فهذا افضل . باستطاعتك أن تغادر حيفا ، أن تهرب من حيفا .. ولكنك يوم سياتي لابد من ان تصحو .. وتكتشف .. وتندم ..
ليلى الحزينة .. البائسة ... بقيت في حيفا ورفضت ان تخرج منها .. وقالت لجيرانها عندما اتوا ليجروها معهم أنها فقدت كل شيء ولا تريد أن تفقد ماضيها الجميل في حيفا الجميلة ... تريد أن يبقى لها شيء لا يذهب ...
لقد مضى زمن طويل على اليوم الذي خرجت فيه من حيفا .. واشعر اليوم أنني لم أكن أستحق ليلى مطلقاً .. بل لم أكن أستحق حيفا نفسها .. لماذا اهتمت هذه الإنسانة النبيلة بإنسان جبان مثلي ؟.. لماذا تلاحقني هذه الإنسانة الرائعة طوال ثماني سنوات ؟ لماذا تلح على رأسي كما تلح صفارة القطار قبل أن يدور حول المنعطف ؟
***
صحا العجوز من نومه الطويل .. وحدق بعيون ضيقة كانها شقوق ارض جافة بانحاء القاطرة .. وابتسم في وجهي ثم هتف بعربية مكسرة وهو يشير إلى الكتاب الملقي على ركبتي :
- عمر الخيام ؟
هززت برأسي وتركته يلتقط الكتاب ويتفرج على صوره ..
كان رفاقي يتهمونني دائماً بانني من عشاق الخيالات . وعندما قلت لهم وأنا في الكويت أنني أريد أن أذهب لإيران كي أضع باقة ورد على قبر الخيام .. ضحكوا جميعهم وقالوا :
- " إنه يريد أن يعيش تجربة عنيفة يوهم نفسه فيها أنه يحب ! "
شعرت بانني انسان لا يعيش على أرضه ، وبدا لي في لحظة أن ماضي شيء مخجل في الحقيقة .. ثماني صنوات اجتر ذكرى ليلى كانها إنسانة صنعتها فقط لاذكرها .. تراها كانت موجودة خقاً إنسانة اسمها ليلى ؟ أم أنني صنعتها ثم صدقتها ؟
فتح صديقي نافذة القاطرة .. فصفع وجهي هواء بارد ، وشعرت باللحظة نفسها ان ليلى لا يهمها مطلقاً أن أضع باقة ورد سخيفة على قبر عمر الخيام .. كي اوهم نفسي بانني ضحية حب عنيف ..
لماذا أصر على الإحتفاظ بكتاب الخيام ؟ إن أحداً لا يعرف الحقيقة .. تراني أريد من الكتاب أن يوهم الآخرين بأنني مازلت مرتبطاً بحيفا ؟
أعاد العجوز كتاب عمر الخيام شاكراً ، وحينما سقط الكتاب على ركبتي انفتحت صفحاته على الرباعية المحاطة بالخط الباهت لقلم رصاص قديم ..
" لم تستطع ليلى ان تغيرني .. " شعرت هذا بوضوح الآن .. انسان لا فائدة منه . هذا كل شيء ... باقة ورد على ضريح انسان ميت .. شيء يذهب ، لقد قالت لهم أنها تريد أن يبقى لها شيء لا يذهب ..
أزت العجلات وهي تدور حول منعطف واسع ، وصفر القطار .. ثمة مقبرة في الأفق ، وشواهد القبور البيضاء مغروسة في التراب كالقدر .. باردة ، قاسية ، ولا تذبل .. ترى هل يوجد فوق قبرها رخامة ؟


دمشق1958







التوقيع

أقسمت ويشهد لي قسمي
سأفدي شموخك يا علمي
ما دام النسر على القمم
يعانق مجدك .....سوريا

 
رد مع اقتباس
قديم 20-08-2005, 04:50 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
رائد الحاج عثمان
أقلامي
 
إحصائية العضو







رائد الحاج عثمان غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى رائد الحاج عثمان إرسال رسالة عبر Yahoo إلى رائد الحاج عثمان

افتراضي منتصف أيار



عزيزي ابراهيم
لست أدري لمن سوف أرسل هذه الرسالة . لقد كان عهدي لك ان أحمل إلى قبرك في كل منتصف آيار بعض ازهار الحنون ، فأنثرها فوقه .. وها قد وصل منتصف آيار دون أن أجد ولو زهرة حنون واحدة.. ولو وجدتها.. فكيف لي أن أصل إلى قبرك كي أعطيكها ؟ .. لقد مضت اثنتا عشرة سنة.. وأعتقد أنك بعدت كثيراً عن كل شيء.. فكما أنت تغور إلى أعماق الأرض وتتفتت، فأنت أيضاً تغور في ذاكرتنا، وتتلاشى ملامحك، حتى ملامحك، لم أعد أذكرها جيداً.. أما صوتك فلست أعرف كيف كان .. عيونك ، لم أعد أذكر كيف كان بريقها .. ويصعب علي كثيراً أن أتصور حركتك.. كل الذي بقي منك في ذهني . جسد جامد .. كفاه فوق صدره .. وخيط رفيع من الدم يصل بين شفتيه وأذنه ، وأذكر _ بوضوح هنا _ كيف حملوك وألقوك في الحفرة بملابسك كلها .. ثم أهالوا التراب، بينما مزق صمود رفاقك صوت نحيب مجروح أخذ يعلو خلفنا شيئاً فشيئاً، ثم يصمت...
والسؤال الآن هو: لماذا اكتب لك ؟.. ألم يكن الأجدر بي ، وقد فشلت في حمل أزهار الحنون الى قبرك .. أن استمر في الصمت الذي بدأ منذ اثنى عشرة سنة ؟ يبدو أنه من المستحيل ان استمر في صمتي ... ان منتصف آيار يضغط على صدري وكأنه قدر مجنون ، اخطأ ذات مرة .. فقتلك بدل أن يقتلني..
إن خيوط القصة بدأت تنحل في رأسي .. واخشى أن أنساها .. هل تصدق ؟. إني _ حقاً _ اخشى ان أنساها ! وربما نسيتها أنت .. فما الذي يعني منها الآن ؟... ولكني أريد أن اساعدك ، وأساعد نفسي في نسج خيوطها من جديد .
معظم القصص ليس لها بداية .. ولكن الغريب ان قصتنا معاً لها بداية واضحة .. بل أكاد أقسم أن بدايتها من الوضوح بحيث تستطيع أن تعتبرها فصلاً مستقلاً عن جريان بقية أحداث حياتنا ..
كان الوقت بعيد العصر بقليل، وقد وقفنا _ انت وأنا _ إلى جانب الحجر الكبير الذي كان يشكل مقعداً أمام بيت جدك... كنا بدأنا التعلم على استعمال الأسلحة .. وحتى تلك اللحظة ، كانت أهدافنا علب الأطعمة المحفوظة الفارغة .. وصفائح الزيت العتيقة . وإذا لم تني ذاكرتي استطيع أن أقول أننا استعملنا " ضوء الكاز " كهدف لرصاصنا مرتين أو ثلاثة .
كان الوقت عصراً .. نعم ، سوف اؤكد على هذا مرة اخرى لأن الصورة لا يمكن أن تكتمل عناصرها إلا إذا دخل إليها ضوء العصر .. لقد وقفنا إلى جانب الحجر الكبير ، ثم سمعت صوتك :
- ألست تريد الإنتقام ؟
وتبعت سؤالك سلسلة من الضحكات القصيرة قبل أن أسأل بدوري :
- " مم " ؟
ورفعت اصبعك تجاه الحائط المقابل .. وأشرت إلى شيء ما ثم قلت والضحكة ما زالت تمسح كلماتك :
- من القط الذي سرق زوج حمام من البرج ..
وضحكت انا الآخر .. وتذكرت كيف استطاع هذا القط الملعون أن يصل إلى برج الحمام في الحديقة في ليلتين متتاليتين ويسرق منه زوجاً من أجود الحمام الذي يحرص جدي، ونحن، على تربيته..وقبل أن اصل إلى قرار سمعتك مرة اخرى..
- سوف أقتله أنا إذا خانتك شجاعتك ..
ورفعت بندقيتك إلى كتفك .. واطلقتها ، ومن خلال الدخان ذي الرائحة الغريبة ، شاهدنا القط المسكين يقفز مذعوراً إلى الوراء .. ثم يطلق ساقيه للريح إلى سور الحديقة المجاورة، ويقف فوقه متحفزاً يحدق بعين مدهوشة إلى حيث خدشت الرصاصة جزءاً من الحائط العتيق.. لست ادري أي شيطان جعلني أهتف:
- أخطأته .. سوف أجرب حظي ..
إنني أذكر كيف صوبت إلى رأسه.. وحينما رأيته مقعياً على الصور من خلال انفراج علامة التصويب في مقدمة بندقيتي، شعرت برجفة.. واضطرب التصويب لفترة.. كانت عيونه تحدق _ ماتزال _ حواليه بجزع ودهشة.. بينما أخذ ذيله يضرب الأرض بانتظام، وأذناه تنتصبان وتميلان بحثاً عن الخطر.. وفي لحظة ثانية رايته في منتصف علامة التصويب.. فضغطت الزناد .. لقد لطمته الرصاصة في وجهه .. فانقلب وتشنجت أرجله في الهواء تتحرك راجفة .. ثم هوى إلى جنبه واخذ الدم يتدفق ..
وقدتني إليه، وقلبته بمقدمة سلاحك.. وهتفت ..
- إصابة رائعة .. في منتصف رأسه .. لقد قطعت سلسلة أفكاره ..
ولكني كنت قد بدأت اتقيأ.. ثم لزمت الفراش أكثر من أسبوعين ..
حينما زرتني انت بعد فترة .. سألتني ضاحكاً
- ماذا ؟ القط المنقط اللص .. يجعلك تذوي هكذا ؟ . شيء مضحك ! . ألم تعد نفسك لخوض معارك تقتل فيها رجالاً لا قططاً ؟
شعرت بالعار .. لست أدري كيف تكونت الكذبة تلك الساعة .
- القطط ؟ انت مجنون .. لقد كنت أقتل قططاً بالحجارة وانا طفل ؟.. كل ما هنالك أن كتف البندقية انزلق بعد الإطلاق ، فلمس حلقي .. وهذا هو السبب الذي جعلني أتقيأ. ثم إني كنت مريضاً من قبل..
هل انطلت عليك الكدبة ؟ لست ادري إلى الآن .. ولكن الذي طمانني يومها ، أنك عدت إلي في المساء .. وهمست في أذني أن أعد نفسي لهجوم ما .. خلال يومين..
وفي السيارة التي حملتنا إلى المستعمرة المجاورة .. كنت تغني كالعادة .. بينما ما أزال أعاني من وطأة الحادث .. ولكزتني فجأة ملفتاً نظري إلى الحقل وقد بدأ آيار يعطيها لون حياة جديدة:
- هذا الحنون .. لقد كنا نفتش داخله عن حشرات ملونة لطيفة.. وكنا نقطع ألف زهرة حنون حمراء كي نجد حشرة واحدة .. يا سلام .. سوف .. أكون سعيداً لو عاهدتني على أن تحمل إلى قبري في كل آيار باقة حنون .. اتعاهدني ؟..
- أنت سخيف. ولكن إذا كان عهدي سوف يسكتك فأنني أعاهدك ..
ماتت الضحكة على شفتي، وضممت بندقيتك إلى صدرك، وقلت بصوت واه، لكنه عميق:
- شكراً ...
لقد نزلنا، عند الظهر، في حقول المستعمرة.. كانت الخطة جريئة ولكنها ممكنة .. إحتلال البيوت المتطرفة من المستعمرة ثم نسفها.. والعودة إلى بلدتنا من جديد ...
ولكن الذي حدث كان غير ذلك .. لقد فاجأنا اليهود في حقولهم، ونشبت معركة ضارية.. كنت إلى جانبك .. وكنت اطلق نيران سلاحي كيفما اتفق ، فلسنا نرى احداً نصوب عليه .. وكنا – خلال ذلك – نستمر في الزحف بين الأشواك والزرع .. هل كنت خائفاً يومها ؟ لست أذكر الآن .. ولكن ذلك اليهودي الذي انتصب امامنا واقفاً حين فجأة، شل تفكيري.. كان يحمل قنبلة يدوية ألقاها فوقنا .. وسمعت صوتك والدخان يكاد يعمينا :
- أقتله .. لقد علق رصاص مشطي ...
- وانجلى الدخان .. كان ما يزال واقفاً يحمل قنبلة ثانية ويفتش بين الزرع عنا .. ورايته من خلال علامة التوصيب يقف هناك .. بعيون مذعورة .. مرت لحظات دون أن يستطيع أصبعي شد الزناد .. كنت أرتجف .. وبقي الهدف واقفاً في منطقة تصويبي .. كنت اشاهده من خلال اداة التصويب .. ومن خلال هذه الأداة ، شاهدته يكتشفك .. ويلقي فوقك بقنبلته الثانية ويولي الأدبار ..
وهكذا أرجعناك إلى بلدتنا حيث دفنوك بكامل ملابسك كما يجب ان يدفن الشهداء .. وكانت امك تبكي خلف رفاقك ... بينما أخذت أنا – في غمرة عاري – ازرع التراب الندي باقة حنون جمعناها في طريق عودتنا .
لقد مر اثنا عشر عاماً على ذلك اليوم ... وانا ملاحق من عاري .. كل آيار يثقل صدري ككابوس لا يرحم ..
والسؤال الذي يجأر في راسي .. هو: لماذا أذكرك الآن.. وأكتب لك .. أما كان الأجدر بي أن استمر في صمتي ؟؟
كلا .. أني لا أستطيع .. الأيام تمر .. وانت تغور في الرمل .. وأخشى أن أنساك.. إني لا أريد أن انسى ، رغم كل العذاب الذي يحمله التذكر .. فقد يستطيع هذا العذاب أن يجعلني أحس يوماً بمدى ما هو ضروري أن اعود إلى قبرك .. فأنثر فوقه بعض أزهار الحنون ..
لست أعرف مبلغ تطوري الآن .. هل أستطيع أن أقتل يهودياً دون أن أرتجف ؟ لقد كبرت .. وجعلتني الخيمة أشد خشونة .. ولكن كل هذا لا يعطيني يقيناً ..
يقيني الوحيد .. هو اني أشعر بالعار ملتصقاً بي حتى عظمي .. هل يكفي هذا ؟؟ اعتقد أنه يكفي .. فالقط الذي قتلته لم يفعل سوى أنه سرق زوج حمام يأكله.. وكان السبب هو جوعه حتماً... اما الآن فأنا بازاء جوع آلاف من الرجال والنساء .. أقف معهم أواجه لصاً سرق منا كل شيء ..
أيكون هذا هو السبب الذي جعلني انفك عن صمتي .. كي أزيد التصاقي بك ؟.. سوف تغفر لي اعترافي .. لقد اكتشفت انا – كما يجب أن تكون اكتشفت انت منذ بعيد – كم هو ضروري أن يموت بعض الناس .. من اجل أن يعيش البعض الآخر .. انها حكمة قديمة .. اهم ما فيها الآن .. أنني اعيشها .




الكويت 1960






التوقيع

أقسمت ويشهد لي قسمي
سأفدي شموخك يا علمي
ما دام النسر على القمم
يعانق مجدك .....سوريا

 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الشهيد غسان كنفاني (صنع لوحته بيده فكان استشهاده ذكرى مصبوعة بالدماء ) عبود سلمان منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي 9 15-07-2009 01:30 PM
فوز القاص عدنان كنفاني بجائزة القصة لتجمّع الأدباء والكتاب الفلسطينيين صباح حسني منتدى القصة والرواية والمسرح 4 11-12-2008 02:53 PM
رسالة حب إلى غسان كنفاني ميسون جمال مصطفى منتـــدى الخـواطــر و النثـــــر 6 01-08-2007 03:28 AM
غسان كنفاني حسين أحمد سليم منتـــدى الخـواطــر و النثـــــر 0 08-09-2006 12:14 AM
غسان كنفاني (عاشق من فلسطين والشهيد الذي رحل وهو الفنان التشكيلي ) عبود سلمان منتدى الفنون والتصميم والتصوير الفوتوجرافي 5 18-06-2006 02:22 PM

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 11:06 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط