الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
آخر مواضيع مجلة أقلام
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | اجعلنا صفحة البدايةطلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

أقلام الآن على و

آخر 10 مشاركات
الفصل الحادي عشر من رواية " ملكوت الرمل " (الكاتـب : خليف محفوظ - آخر مشاركة : عبدالكريم قاسم - )           »          حين نحمل أطفالنا أوزارنا (الكاتـب : خليف محفوظ - )           »          ""ربهم الأعمى"" (الكاتـب : قاسم أسعد - آخر مشاركة : عبدالكريم قاسم - )           »          قالت له ... قال لها (الكاتـب : سلمى رشيد - آخر مشاركة : ميسون عربيات - )           »          صَباحُكم أمل ..ومساؤكم رَجاء.. (الكاتـب : سمرعيد - )           »          رمـــــــــــــاد الضـــــــــوء .... (الكاتـب : ميسون عربيات - )           »          بكاء الثعلب (الكاتـب : عبدالستارالنعيمي - )           »          جدار... (الكاتـب : حسن قرى - )           »          ,,, في سرِ ورقة ,,, (الكاتـب : قاسم أسعد - )           »          تغريدات ...قصيرة ... (الكاتـب : قاسم أسعد - )


الشريط التفاعلي


العودة   منتديات مجلة أقلام > منتديات اللغة العربية والآداب الإنسانية > منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي

منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي هنا توضع الإبداعات الأدبية تحت المجهر لاستكناه جمالياته وتسليط الضوء على جودة الأدوات الفنية المستخدمة.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-03-2006, 11:21 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمد العمري
أقلامي
 
إحصائية العضو






محمد العمري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي النقد العلمي.. والنقد العقدي

-1-

يطمح هذا المقال إلى إثارة إشكال نقدي عويص يمكن اختصاره في إشكال القراءة أساسا. ولسنا نقصد بالقراءة هنا مستويات التلقي الأدبي وشروطَه النظرية مما أفاض فيه كبار النقاد وأسهبوا كياوس وإيزر وريفاتير وستاروبانسكي وغيرهم، وإنما نقصد القراءة هنا من حيث هي فعل مواجهة نقدية لا يكتفي بتذوق النص (الأدبي أو النقدي) وتفسير متعته، بل يتجاوز ذلك إلى تقويم المقروء ومحاكمته أيضا على نحو يحيل فعل القراءة إلى مجرد أداة لإسقاط عَقَدي سافر لا غـير.

- بين النقـد والعقـيدة*( )

ليس يخفى على كل متتبع لما ينشر من قراءات تحليلية أو نقدية نزوع أصحابها في كثير من الأحيان –وأخشى أن أقول في أكثر الأحيان- إلى مقاربة النصوص الأدبية بغير ما يلزم من الموضوعية العلمية المفترضة، حتى أصبح النقد الأدبي ضربا من القراءة التي تضمر من المحاباة والتزلف وتنشد من الحمية الزائفة ما يجنبها مآخذ القراءة الموضوعية. وإذا كان للباحث أن يتساءل اليوم عن أسباب تراجع المقاربة العلمية أمام غيرها من المقاربات المحابية المتزلفة فإنه سرعان ما سيتوصل إلى أن النقد الأدبي قد أصبح محكوما بمصالح ذاتية وشرائط غريبة عن الحقيقة الموضوعية التي يفترض أن يكشف عنها الناقد ويتعرفها ،من ثم، المبدع أو الكاتب المجرب في مجال الأدب، وهكذا ضاع المضمون الإنساني العميق للنقد العلمي الموضوعي، وضاع معه كل ما يمكن أن يفهم من الأدب من مضامين السمو الروحي، حتى صار كل ما هو إنساني يقارب بما ليس فيه من الإنسانية نصيب.
لقد قرأت قبل يومين مقالا لأحد النقاد التونسيين يحلل فيه مقاطع من نص شعري منثور أو أسطرا مما أصبح يسمى اليوم بـ”قصيدة النثر” لكاتبة تونسية معروفة، فوجدت من الإطراء والتطرية، والكلام المرسل المكرور، والعبارات المسكوكة الملفقة ما كان منقولا من تحليلات نقدية سابقة. ثم إني عدت، بل عادت بي الذاكرة إلى تغطية “نقدية” مماثلة لديوان نثري طبع بالمغرب قبل تسع سنوات فوجدت أن “نقد الناقد” فيها (أي في التغطية النقدية) لم يكن،هو الآخر، أكثر من لازمات جمْلية محفوظة صارت اليوم من فرط ترددها وتواترها ونمطيتها فاقدة لروح المعنى. فأيقنت حينها أن مثل هذا النقد الضحل ما زال متمكنا من الساحة الأدبية، ولا سيما لدى أولئك الكتبة الذين يؤثرون الإغراض والتلبيس اللغويين على الفحص الموضوعي الدقيق، بذريعة عجز اللغة عن قول كل شيء.
والواقع أن هذا المنزع العَقَدي الذي يميز القراءة النقدية لدى كثير من نقاد الأدب ليس وليد هذه المرحلة المتأخرة من التفكير النقدي الحديث ولا كان مقصورا عليها. وتشهد العقود الأخيرة من هذا الزمن النقدي أن المقاربة التحليلية كانت في معظم لحظاتها مسكونة بهواجس إيديولوجية أملتها مرحلة فكرية أو ثقافية مخصوصة، وغذتهـا بما كانت في حاجة إليه من أسباب التمكن والاستمرار. وقد لا نكون في حاجة إلى التذكير بآثام القراءات التحليلية التي هيمنت على النقد المغربي مثلا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي خاصة. فبحكم الشعارات الإيديولوجية المخصوصة التي هيمنت على هذه المرحلة التاريخية صار كل ما لا يخدم المشروع القومي التقدمي من الإبداع والنقد الأدبيين أو “يتعارض” مع توجهه خارج نطاق الجودة الفنية المرسومة قَبْليا، بعيدا من حدودها المضنون بها عن غير أهلها.
ولنا أن نتساءل هنا: أين أولئك الذين دفعتهم بهرجة النقـد الواقعي يوما إلى تسفيه كل ما عداه؟. هل مكنهم هذا النقد -يا تـرى- من أن يصلوا إلى القيم الجمالية التي تنطوي عليها رواية “ملحمة الحرافيش” لنجيب محفوظ، أو رواية “مائة عام من العزلة” لغابرييل غارثيا ماركيث، أو رواية “بدر زمانه” لمبارك ربيع؟، بل هل أتاح لهـم هذا المسلك النقدي إمكانية تحليل “ألف ليلة وليلة” أو “كليلة ودمنة” بما ينـبغي من الحذر المنهجي؟. ربما أصاب غي سكاربيتا GUY SCARPETTA كبد الحقيقة حين رأى أننـا إنما نعيش اليوم “زمن عقم الخطاب الجامعي وترهله، وتحول النقد الأدبي إلى ثرثرة دعائية”( ) لا غير.
إن قدرا من التأمل النقدي الرصين لكثير ممـا قدمت به أعمال بعض الأدباء المغاربة مثلا أو غيرهم من المبدعين والكتاب عموما يسلمنا لا محالة إلى استشعار ما لحق أعمالا إبداعية ونقدية طريفة من الإنكار والتسفيه أو الغبن والتهميش. وإذ ليس في وسع أحد من نقاد الأدب أن ينكر اليوم هذه الحقيقة التاريخية المخجلة، فلسنا هنا اليوم في معرض محاكمة هؤلاء النقاد ما دام أمر محاكمتهم سيظل متروكا للتاريخ، ولكننا ننبه على حقيقة نقدية مماثلة ما زالت متمكنة من “الذوق” الأدبي المهيمن عسى أن يقبل أصحاب هذا الذوق وذادته على نظر نقدي متراحب، مبرأ من العقيدة النفعية وآثارها السلبية.
إن الإقدام على مراجعة التصورات النقدية السابقة وتصحيحها ليس دليل ضعف أو تراجع، ولن يكون أبدا كذلك إذا كان صاحبه مؤمنا بقيمة النقد الحقيقية وأبعادها الإنسانية النبيلة. وكم تستوقفنا مواقف بعض النقاد الغربيين ممن حذقوا في هدوء وتواضع مناهجهم الأدبية وتشربوا قيمها العلمية إذ أقدموا على مراجعة كثير من تصوراتهم الفنية بما انطوت عليه من مواقف إيديولوجية ردحا من الزمن، كان أحدَ أبرز هؤلاء ميلان كونديرا في كتابه الأخير “الستار” Le rideau. هذا المبدع الناقد الذي اختار أن يتوقف -مؤقتا- عن كتابة رواياته حتى يتيح لنفسه فرصة التأمل الموضوعي للتصور الإبداعي السائد وتصحيحه. وقد استطاع هذا المبدع الناقد أن يثبت بالفعل لمن لا يزالون متشبعين بالنقد الإيديولوجي أن الإبداع والنقد الأدبيين هما أكبر من سلعة إيديولوجية تروج شعارات مرحلة تاريخية بعينها، كما استطاع أن يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الإبداع الأدبي (الروائي) هم إنساني، وأن النقد الأدبي الحقيقي هو الذي يستطيع أن يبحث في إنسانية الإبداع الأدبي عما يجلي إنسانية الفن الخالدة، في غير ما حصر هذه الإنسانية في الواقعية السافرة للأدب وشعاراتها الإيديولوجية بالضرورة.
إن موقف كونديرا هنا يظل موقف رجـل لا تعوزه الشجاعة النقـدية الكافية لمحاكمةِ التصورات الأدبية التي هيمنت قبله، أو مواجهةِ بعض ما رسخ منها لدى غيره من النقاد والمبدعين؛ ذلك لأن هذا الموقف يعبر بحق عن وعي أدبي أصيل غير مفصول عن الهموم الإنسانية والجمالية المؤرقة للنقد الأدبي. إنه وعي مبدع استطاع أن يتوصل إلى أن البعد الإنساني للأدب هو أجل من أن يوقع الأديب أو المشتغل بالأدب من النقاد في حضيض التزلف النقدي والمحاكمة الإيديولوجية الفجة التي لا تتصل إلى النقد الأدبي بسبب وجيه.
وليس ثمة شك في أن موقف كونديرا هذا له ما يجسده عندنا في الساحة النقدية العربية لدى عديد من المبدعين والنقاد “الحقيقيين” الكبار. فهذا الشاعر محمود درويش وقد أدرك -بحسب رأيه- ما آل إليه وضع الشعر العربي المعاصر من الضعف والهوان لم يتردد في الإفصاح عن رأيه النقدي الصريح في هذا الزمن الشعري الذي يعيشه الشعراء والنقاد على السواء. وهكذا جاء موقفه السلبي من قصيدة النثر*( ) مثلا معبرا عن حقيقة عقيدته النقدية، بالرغم من أن الإفصاح عن هذه العقيدة كان يعني –وهو يدرك هذا جيدا- الاصطدام بجيل كبير من الذين انتصروا له ودافعوا عن مشروعه الشعري الحداثي. وليس يهمني في هذا المقام أن أشـيد بموقف درويش من المتنبي الذي يعترف فيه بشموخ صرحه (أي صرح المتنـبي طبعا) الشعري وسطوع نـوره الإبداعي، وإنما الذي يهمني في المقام الأول أن أشير إلى الجرأة النقدية التي أطل بها هذا الشاعر الحداثي المعاصر على أنصاره وخصومه حين قال ملء صفائه النقدي عن المتنبي: “هذا الشاعر العظيم ما زال أكثر حياة ومعاصرة وحداثة منا”( ). لقد اختار محمود درويش أن يبوح بهذا الموقف بالرغم مما تحمله صورة المتنبي من أبعاد التكسب الشعري والأدب السلطوي في وجدان كثير من المبدعين والنقاد، ولا سيما أولئك الذين لم يصلوا بعد إلى وضع ما يلزم من حدود جمالية بين الظاهرة الإبداعية وسيرة صاحبها*( ). إن ما يهمني من هذا التصريح جرأة شاعر كبير وناقد ناضج لم يضره أن يعلن في كثيرين ما لا يرضونه من الزراية على إبداعهم وبسط مآخذه لهم. فكان ما كان من ردود وتعقيبات (قاسية أحيانا) ترد على الناقد الشاعر رأيه*( ).
وأستطيع أن أدعي في هذا السياق أن موقفا نقديا كهذا من تصور إبداعي كان يصدره ناقد أدبي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كان يعني جرما نقديا لا يغتفر -وهو الآن إليه أقرب-. وإذا شئنا استعمال لغة الكلام الإيديولوجي الراهن أمكن القول إن إعلان مثل هذا الموقف (الجذري) كان يعني إرهابا (نقديا) ظلاميا؛ ذلك لأن مجرد نشر نص إبداعي (سردي أو شعري) بالمواصفات الجمالية “القديمة” كان يعني مروقا وجهلا وتخلفا وغيرها من سياط الأحكام الآثمة التي يجلد بها صاحب النص. وقد لا أكون في حاجة إلى استعادة نماذج من تلك المشاداة الكلامية الجوفاء التي شهدتها منابر إعلامية عربية ووطنية أحسب أن صحيفة “العلم” المغربية كان لها منها نصيب…فلا شك أن الذاكرة التاريخية للإبداع والنقد الأدبيين تحتفظ لبعض النقاد المغاربة بمواقف ومقاربات أزعم أن أصحابها قد بدؤوا اليوم يتبرؤون منها –وإن في استحياء- شيئا فشيئـا.
صحيح أن هذا النزوع إلى “أدلجة” النقد كان حاضرا لدى نقاد الأدب القدامى كذلك ممن ارتبط لديهم النقد الأدبي بمعايير الأخلاق والدين. فهذا أبو علي المرزوقي على سبيل المثال يقدم صياغة نقدية لنظرية الشعر العربي القديم*( ) في أبوابه السبعة المعروفة، ويشترط فيها ما يشترط من المقاييس والمعايير النقدية التي تبدو لأول وهلة أنها من العمق والنضج الأدبيين -وهي بالفعل كذلك إلى حد كبير، على الأقل بالنسبة إلى المرحلة التاريخية المبكرة من النقد الأدبي الشعري- بحيث يشق أن نعثر على نظير لها عند غيره من النقاد العرب القدامى، غير أن قدرا من التأمل النقدي الموضوعي لما جاء في هذه الأبواب الشعرية من مضامين نقدية يوقفنا على حقيقة انتصار المرزوقي الهادئ لشعر البحتري على حساب شعر أبي تمام*( ). وكأني بالمرزوقي الذي اختار أن يصدِّر “الحماسة” التمامية بنظريته المعروفة بـ”عمود الشعر” إنما اختار أن يسجل موقفا سلبيا من أبي تمام حتى وإن اتخذ من التلويح -لا التصريح- سبيلا إلى ذلك في أغلب الأحيان.
إن الصياغة النقدية التي اختار المرزوقي أن يقدمها بلسان غيره من نقاد الشعر العربي المتقدمين لنظرية الشعر العربي ليست تحجب عنا ذلك النزوع الذاتي نحو محاكمة شعر أببي تمام و”تسفيه” مشروعه الشعري الحداثي، غير أن تلك المحاكمة لم تكن لتركن –وهذا هو الأهم- إلى غير المقاييس النقدية (المهيمنة) الموروثة. وبعبارة أخرى، إذا كان للباحث أن يرى في نظرية “عمود الشعر” أداة نقدية مصطنعة “غير بريئة” للانتصار لشعر البحتري والنيل من قيمة شعر أبي تمام في سياق ما يعرف بـ”الموازنات” و”الخصومات” النقدية، فإن هذا الباحث لا يملك إلا أن يكبر في المرزوقي وعيه الدقيق بحدود الممارسة النقدية، هذا الوعي الذي لم يجعله يحتكم إلى غير مقاييس النقد -وإن كانت في جوهرها “غير بريئة”- في تقويم الشعر عامة أو شعر أبي تمام خاصة. وهو ما يعني أن استلهامه لغير هذه المقاييس -وما كان ليعدمها في التجربة الحداثية العباسية التي كانت قد تمكنت من نفوس كثير من الشعراء والنقاد العباسيين- كان سيفضي به إلى ما لا ترضاه الممارسة النقدية العلمية الرصينة من ضرورة “الفصل” الصعب بين الهموم الجمالية الراسخة والهواجس الإيديولوجية المرحلية لا محالة.
وإذا كان لنا أن نبحث في مجال النثر (وليس الشعر) العربي القديم عن مثيل هذه القراءة النقـدية غير البريئة التي قدمها لنا المرزوقي، فيمكن أن نرى فيما اختطه بديع الزمان الهمـداني في “المقامة الجاحظية” تعبيرا آخر عن ذلكم النزوع القرائي الذي يلتبس فيه المـوقف الشخصي بالموقف الموضوعي، والتخييل الإبداعي بالرهان النقدي. ففي التحليل الطريف الذي قدمه الأستاذ محمد أنقار*( ) لتلك المقامة استطاع هذا الباحث أن يكشف للقارئ أن المواقف النقدية التي كان يرددها بطل القصة المقامية أبو الفتح الإسكندري إنما كانت تعبر عن مواقفه الاعتراضية الدفيـنة من بلاغة النثر الجاحظي تحديدا. وهي مواقف يمكن للقـارئ العادي أن يمـر بها دونما استشعار لذلكم الجدل النقدي الكبير الذي شهده بروز نثـر جاحظي جديد يخلخل نظريتي النثر (الفني) والبيان العربيين الراسخين. بيد أن التأمل الدقيق لما ضمخت به المقامة من مواقف نقدية*( ) يفضي بنا إلى تلمس موقف بلاغي سعـى الهمداني إلى أن يدافع عنه في متـنه السردي التخييلي، وخارج المنابر الحجاجـية التي كان بطلاً لهـا في كثير من المناظرات والمسـاجلات.
ومع ذلك، فإن ادعاءنا بأن مواقف الهمداني من بلاغة النثر الجاحظي في مقامته، وقبله آراء المرزوقي في بلاغة الشعر التمامي في مقدمته الشهيرة بأنها كانت (أي المواقف والآراء) سلبية لا يجب أن يحجب (أي الادعاء) عنا وعيا نقديا لافتا للنظر. هذا الوعي الذي يقوم على مقاربة الإبداع الأدبي (شعرا كان أو نثرا) ونقده بمعايير من جنس الأدب لا تخرج عنه، وما يقع من الاختلاف في شأنها لهو من صميم التباين الطبيعي في الذوق الأدبي أو الفني. وشتان بين مقاربة تحاكم الإبداع الأدبي بمقاييس نقدية أو جمالية خلافيـة، ومقاربة تحاكم هذا الإبداع بمعـايير إيديولوجية مستبِدة يراد لها أن ترسم للذوق الأدبي (إبداعا وقراءة) إطارا محدودا لا يخرج عنها ولا يزيـغ!.
ومن حسن الحظ أن النقد الأدبي في المغرب لم يكن ليعدم أقلاما نأت بنفسها عن الانخراط في ترويج هذا التصور النقدي الزائف في وقت كانت فيه شعارات الفن الواقعي والنقد الواقعي تستأثر بمقاييس النقد الأدبي. ويحلو لي في الصدد أن أحيي المبدع والناقد المغربي الأستاذ محمد أنقار الذي وإن عانى أمدا من تبعات هذا “النقد” الاستبدادي إلا أنه لم يتوان يوما في مناضلته، سواء في محاضراته المشهودة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان أو فيما كان ينشر من إبداع أدبي ومقالات ودراسات نقدية رصينة. وما زلت أومن بأن آراء هذا الناقد في حاجة إلى أن تدْرَس وتدَرَّس -بقدر من السماحة- لطلبة الكليات كما درست بعض كتبه في الجامعات المغربيـة.
وربما كنت -وأنا أثير موضوع مآخذ النقد الإيديولوجي- في حل من أن أعرض هنا لكتابه الطريف “بناء الصورة في الرواية الاستعمارية: صورة المغرب في الرواية الإسبانية” بعد ما مر عن تاريخ نشره ما ينيف عن ثلاث عشرة سنة. غير أن التصور الطريف الذي انفرد بطرحه هذا الناقد الفذ جعلني أقف شخصيا على مدى الغبن النقدي الذي تعرض له هذا الكتاب (في المغرب خاصة) من جهة، كما جعلني،من جهة أخرى، أعاين في الكتاب مظاهر الممارسة النقدية التي تعبر بحق عن تصور جمالي منسجم بعيد كل البعد عن الإسقاط المتعسف للمواقف العقدية القبلية. لقد استطاع محمد أنقار أن يقارب مفهوم الصورة السردية في الرواية الاستعمارية الإسبانية وأن يكشف عن مظاهر اختلالاتها من منظور أدبي صرف بعيد عن موقفه الشخصي الرافض للاستعمار الإسباني. وهكذا فبدلا من أن يحاكم الروايات الاستعمارية الإسبانية من خلال ما ورد في متونها من صور غير إنسانية للإنسان المغربي (وما أيسر هذا !) راح يقارب إشكال التصوير الروائي (وما أشق هذا !) في تلك المتون من زاوية النقد الأدبي (الروائي) حصرا، واضعا بذلك في تحليلاته الخصبة حدا بين المنظور النقدي الذي يمتح من تصوره الجمالي المخصوص من جهة، وموقفه الشخصي من الاحتلال الإسباني لبلده من حيث هو جريمة عنصرية منكرة بكل أبعادها الإنسانية من جهة ثانية. وقد تمكن هذا الناقد، فعلا، من أن يقف على مظاهر اختلال التصوير السردي في كثير من تلك الروايات، دون أن يسمح لنفسه -البتة- بالوقوع فيما وقعت فيه تلك الروايات من التحامل المغرض الذي من شأنه أن يقوض منطق المقاربة النقدية، ويجعلها أسيرة المواقف العقدية المسبقة. ولعل هذا المسلك النقدي الصعب الذي اختار الأستاذ محمد أنقار أن يتبناه موقفاً ويتعاطاه ممارسةً لسنا نجده إلا عند الذين حذقوا صناعة النقد وأدركوا وظيفتها الحقيقـية.
وربما كان بإمكاننا أن نقدم نماذج من هؤلاء النقاد الذين حذقوا صناعة النقد في غير مجال الأدب هو مجال التفكير الفلسفي، من أمثال إدوارد سعيد، ومطاع صفدي، ومحمد عابد الجابري (خاصة في مشروعه الفكري “نقد العقل العربي”)، وطـه عبد الرحمن، ومحمد أركون*( ). فهؤلاء المفكرون والنقاد الكبار لم تكن لتدفعهم مواقفهم الرافضة لنمط التفكير الاستشراقي المهيمن، أو المتحفظة من التفكير الفلسفي الغربي المعاصر، أو الناقمة على العقل العربي (العرفاني) القديم، أو المتشككة في سلامة التفكير الفلسفي الراهن، أو المتمردة على التفكير الإسلامي المعاصر -على التوالي-، أقول لم تكن تلك المواقف لتدفعهم إلى إعلان مواجهة عقدية أو “صليبية” تمتح من جاهز المواقف الشعارية الكبرى باسم الدين تارة أو باسم الإيديولوجيا المهيمنة تارة أخرى، بل إن عمل هؤلاء النقدي قد انصرف أساسا إلى تفكيك آليات التفكير عند خصومهم وخلخلة مناطيق (جمع منطق) مشروعاتهم الفلسفية أو الفكرية في صميمها. وأحسب أن كتاب الأستاذ محمد أنقار -وخلفه تصوره النقدي- حين اختار أن يخلخل المنطق الجمالي للسرد الروائي الاستعماري الإسباني إنما كان يمضي هو الآخر في سياق إقرار ذلك الفصل المنهجي الواجب بين الظاهرة الإبداعية والأفكار القبلية الجاهزة. ومع ذلك فقد لاقى هذا الكتاب من الصد والتهميش ما يخجل المرء من الخوض في تفاصيلهما، على نحو يبرز مرة أخرى أن النقد في ساحتنا الأدبية ما زال موسوما بثقافة “الكتلة المهيمنة”.

-يتبع-






 
رد مع اقتباس
قديم 19-03-2006, 02:08 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
خالد جوده
أقلامي
 
إحصائية العضو






خالد جوده غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي

بداية نرحب بأستاذنا ، ويسر أقلام الثقافية أن تعانق كتابات ودراسات د . محمد العمري

بحث متميز في مجال النقد الأدبي ، يشرح أزمة النقد ، ومن تلك الإطلالة يدعم أهمية النقد في آن واحد ، لقد ضمت رؤية تحليلية متعمقة تحتاج إلي القراءة المتصلة والتأمل ، وفي إنتظار البقية .



فمرحبا بأستاذنا الكريم







 
رد مع اقتباس
قديم 19-03-2006, 04:29 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
محمد العمري
أقلامي
 
إحصائية العضو






محمد العمري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي

أخي الكريم خالد جوده
أشكر لك ترحيبك بي عضوا بينكم في هذا المنتدى البهي، وقراءتك المتأنية للمقال. ثم إني أشكر لك سخاءك الوجداني الجميل. فإليك تحياتي الصادقة. محمد







 
رد مع اقتباس
قديم 20-03-2006, 10:44 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عيسى عدوي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عيسى عدوي
 

 

 
إحصائية العضو







عيسى عدوي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى عيسى عدوي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى عيسى عدوي

افتراضي

الأخ العزيز الدكتور محمد حفظه الله ورعاه

لقد أعجبني مقالك الرائع والذي وضع النقاط على الحروف في وصف الحالة النقدية هذه الأيام ونحن بأنتظار استكمال البحث حتى نتمكن من مناقشته والأخذ والرد فيه ...ولكن ليسمح لي اخي ان أعلق هنا بنقطة بسيطة ..أكررها كثيرا وهي وجهة نظري الشخصية ...أعتقد والله أعلم أن المشكله هي ليست في النص ولا في المؤلف ولكنها في المتلقي وهو ها هنا الناقد ...وهذا ينطبق على سوق السلع قاطبة ..فالمستهلك هو الذي يحدد جودة البضاعة من عدمها .أي أن مفهوم الجودة مرتبط بالمتلقي .نفسه ..فهو يقيس كل شيء بمقياس قربه أو بعده عن المواصفات الخاصة التي وضعها لما يطلب في النص .وأزعم أن الناقد كائنا من كان هو إنسان في النهاية وله مرشحاته الخاصة به ..ومن هنا أفهم ما قام به كانديرا . ..أو محمد درويش ....بكل بساطة فإن كاندير عندما استوعب هذه النقطه ...قام بما نستطيع أن نسميه الدراسة التسويقية للمنتج ..لمحاولة معرفة كيفية تذوق الآخرين للنص ...حتى يستطيع أن ينتج البضاعة التي تقترب من المواصفات المطلوبة في السوق ...أو القيام بحملة تسوقية ( توعوية ..تثقيفية ) لرفع مستوى الذائقة العام ..بحيث يكثر عدد المتلقين المثقفين ومنهم بالطبع النقاد ...
وإلى أن نتمكن من وضع مواصفات قياسية عالمية موحده لتقييم النصوص ....أيزو ثقافية..... فسيبقى الوضع على ما هو عليه ...
..سامحني على الأطالة ولنا عودة .....







التوقيع

قل آمنت بالله ثم استقم
 
رد مع اقتباس
قديم 20-03-2006, 05:01 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
محمد العمري
أقلامي
 
إحصائية العضو






محمد العمري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي

إليك تحياتي أيها العزيز المهذب: عيسى

لقد علقت مشكورا بقولك:

اقتباس:
ولكن ليسمح لي اخي ان أعلق هنا بنقطة بسيطة ..أكررها كثيرا وهي وجهة نظري الشخصية ...أعتقد والله أعلم أن المشكله هي ليست في النص ولا في المؤلف ولكنها في المتلقي وهو ها هنا الناقد ..
سامحني على الأطالة ولنا عودة
أولا إنك لم تطل، وكم وددت لو أنك أطلت أكثر. لأني أعشق القراءة الفاحصة.
ثانيا إني أذهب في المقال إلى ما ذهبت إليه من أن أزمة القراءة إنما هي راجعة إلى تدخل اعتبارات عقدية [ولك أن تسميها إيديولوجية] شخصية النقد الأدبي منها براء.
ولما كانت مسؤولية الناقد الأساس أن يتعقب مواطن الإجادة والرداءة في النص المنقول صارت اليوم النوازع الإيديولوجية [أي العقدية] هي المتحكمة في المقاربة أو المعالجة النقدية. وهو ما يبعدها عن المقاربة "العلمية" المنشودة. حتى صار النقد الأدبي مجالا لتبادل المجاملات بين الكاتب والقارئ في كثير من الأحيان.
أخي عيسى: لك محبتي، وأشكرك على هذه الالتفاتة الجميلة. محمد






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أجنحة طائر الأدب ( رؤية حول الابداع والنقد وإشكالية الأديب الناقد ) خالد جوده منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي 8 05-06-2006 01:36 AM
علي جواد الطاهر والنقد المسرحي / منقول د . حقي إسماعيل منتدى القصة والرواية والمسرح 0 03-01-2006 04:15 AM
القدرات العقلية وعلاقتها الجدلية بالتحصيل العلمي / ح 1 ( منقول ) د . حقي إسماعيل منتدى الحوار الفكري العام 6 30-11-2005 11:44 PM

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 01:16 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط