الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
آخر مواضيع مجلة أقلام
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | اجعلنا صفحة البدايةطلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

أقلام الآن على و

آخر 10 مشاركات
موسوعة الكاتبة الإماراتية شهرزاد الخليج (الكاتـب : ناصر العنزي - )           »          مقتطفات ــــ أحلام مستغانمي (الكاتـب : ناصر العنزي - )           »          سر خطير لازم تعرفوه .. (الكاتـب : راحيل الأيسر - آخر مشاركة : عماد الحمداني - )           »          حكايتي البائسه (الكاتـب : أماني السبيعي - )           »          أروع ما قيل في شعر الحب والغرام والغزل والحن (الكاتـب : أنور عبد الله سيالة - )           »          أشباه وجوهٍ... وابتسامة (الكاتـب : حنين يوسف - آخر مشاركة : راحيل الأيسر - )           »          تاجرُ الفرح (الكاتـب : حنين جبريل - آخر مشاركة : راحيل الأيسر - )           »          فلسفة .. لمن يجرؤ..!! (الكاتـب : سميرة جوهر - آخر مشاركة : ناصر العنزي - )           »          ( رضا ) أم (رضى ) ؟ (الكاتـب : راحيل الأيسر - )           »          صباحكم ومساؤكم سكر.. (الكاتـب : سمرعيد - آخر مشاركة : أنور عبد الله سيالة - )


الشريط التفاعلي


العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 15-11-2007, 02:26 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
إبراهيم العبّادي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم العبّادي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم العبّادي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم العبّادي

افتراضي الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم



مقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه.. أما بعد:
فلا يزعجني أن يكون للصحوة الإسلامية المعاصرة أعداء من خارجها يتربصون بها، ويكيدون لها، فهذا أمر منطقي اقتضته سنة التدافع بين الحق والباطل، والصراع بين الخير والشر، والتي أقام الله عليها هذا الكون الذي نعيش فيه: (كذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين) (سورة الفرقان: 31).
وقد قال تعالى في شأن أعداء الملة والأمة: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) (سورة البقرة: 217).
إنما الذي يزعجني ويؤرقني ويذيب قلبي حسرات: أن تعادي الصحوة نفسها وأن يكون عدوها من داخلها، كأن يضرب بعضها بعضا، ويكيد بعضها لبعض، وأن يكون بأسها بينها.
لا يزعجني أن يكون في الصحوة مدارس أو فصائل أو جماعات لكل منها منهجه في خدمة الإسلام، والعمل على التمكين له في الأرض، وفقا لتحديد الأهداف وتربيتها، وتحديد الوسائل ومراحلها، والثقة بالقائمين على تنفيذها من حيث القوة والأمانة، أو الكفاية والإخلاص.
ومن السذاجة بحيث أدعو إلى جماعة أو حركة واحدة، تضم جميع العاملين للإسلام في نظام واحد، وتحت قيادة واحدة، فهذا تقف دونه حوائل شتى، وهو طمع في غير مطمع.
وقد ذكرت في أكثر من بحث لي أنه لا مانع أن تتعدد الفصائل والجماعات العاملة لنصرة الإسلام، إذا كان تعدد تنوع وتخصص، لا تعدد تعارض وتناقض..على أن يتم بين الجميع قدر من التعاون والتنسيق، حتى يكمل بعضهم بعضا.. ويشد بعضهم أزر بعض، وأن يقفوا في القضايا المصيرية، والهموم المشتركة، صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص.
ولكن الذي يدمي القلب حقا أن يوجد بين الدعاة والعاملين من لا يقدر هذا الأمر حق قدره، وأن يبذر بذور الفرقة أينما حل، وأن يبحث عن كل ما يوقد نيران الخلاف، ويورث العداوة والبغضاء، وتركيزه دائما على مواضع الاختلاف، لا نقاط الاتفاق، وهو دائما معجب برأيه، مزك لنفسه وجماعته، متهم لغيره.
والحق أن الاختلاف في ذاته ليس خطرا، وخصوصا في مسائل الفروع، وبعض الأصول غير الأساسية، إنما الخطر في التفرق والتعادي الذي حذر الله ورسوله منه.
لهذا كانت الصحوة الإسلامية والحركة الإسلامية بمختلف اتجاهاتها ومدارسها في حاجة إلى وعي عميق بما نسميه (فقه الاختلاف).
وهو أحد أنواع خمسة من الفقه ينبغي التركيز عليها، لأننا أحوج ما نكون إليها، وهي:
1. فقه المقاصد:
الذي لا يقف عند جزئيات الشريعة ومفرداتها وحدها، بل ينفذ منها إلى كلياتها وأهدافها في كل جوانب الحياة واستكمال الشوط الذي قام به الإمام الشاطبي في (موافقاته) وإبراز العناية بالمقاصد الاجتماعية خاصة.
2. فقه الأولويات ومراتب الأعمال:
وكنت نبهت عليه في كتابي "الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف" ولا زال يحتاج إلى مزيد من التعميق والتأصيل والتفصيل والتطبيق على الواقع.
3. فقه السنن:
أعني القوانين الكونية والاجتماعية التي أقام الله عليها عالمنا هذا، وقضى بأنها لا تتبدل ولا تتحول مثل سنن: التغيير والنصر والتدرج.. وغيرها.
4. فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد:
وهو مبني على فقه الواقع ودراسته دراسة علمية مبنية على ما يسره لنا عصرنا من معلومات وإمكانات، لم يكن يحلم بها بشر سواء واقعنا وواقع الآخرين، بعيدا عن التهوين والتهويل.
5. وأخيرا (فقه الاختلاف):
الذي عرفه خير قرون الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، فلم يضرهم الاختلاف العلمي شيئا، وجهلناه فأصبحنا يعادي بعضنا بعضا، بسبب مسائل يسيرة، أو بغير سبب!!
وقد كتب أخونا الفاضل الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني، كتابا حول: "أدب الاختلاف في الإسلام" نشر في سلسلة كتاب (الأمة) وهو كتاب علمي نافع بلا ريب، وقد اعتمد فيه المنهج التاريخي. وكتابي هذا تتمة للموضوع وتعميق وتأصيل له، وربط له بالواقع الذي يعيشه العمل الإسلامي، والذي يفرز على الساحة ما نراه ونلمسه من أفكار واتجاهات ومقولات، شتت الشمل، ومزقت الصف، واشتمتت بنا الأعداء.
ويكاد لا يمر علي يوم إلا وأتلقى فيه رسائل من أنحاء العالم الإسلامي تشكو من الأخوة الذين لا شغل لهم إلا إثارة الخلاف، وتوزيع التهم على عباد الله، دون تقدير للواقع، ولا مراعاة للظروف والضرورات وما عمت به البلوى.
لهذا حين طلب إلي الأخوة المنظمون لمؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي في أمريكا لهذا العام (1989م) أن أكتب عن هذا الموضوع الدقيق الخطير، رحبت به، لإدراكي مدى أهميته للصحوة الإسلامية، وضرورته للحركة الإسلامية، واستعنت الله على الكتابة فيه، برغم الأعباء والمشاغل، فكانت هذه الصحائف التي أسأل الله سبحانه أن يجعلها شعاعا مضيئا على درب العمل الإسلامي الواعي، والصحوة الإسلامية الراشدة، وأن ينفع بها كاتبها وقارئها وكل من أسهم في نشرها وتعميم النفع بها.
اللهم ارزقنا نورا نمشي به في الظلمات، وفرقانا نميز به بين المتشابهات وميزانا نستضئ به في مفارق الطرقات.. (ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير)
الدوحة في د.يوسف القرضاوي
22 جمادي الأولى 1410هـ عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
20 ديسمبر 1989م جامعة قطر

خطة البحث
خطتنا في هذا البحث
يقوم بحثنا في فقه الاختلاف على جملة دعائم علمية وعملية، فكرية وخلقية يتضمنها تمهيد وأبواب ثلاثة، وخاتمة.
أما التمهيد فعن الاختلاف وأنواعه وأسبابه.
وأما الأبواب الثلاثة فأولها يضم فصلين:
الأول بعنوان: الاتحاد والترابط فريضة دينية.
والثاني بعنوان: تفرق الأمة ليس قدرا لازما ولا دائما.
وأما الباب الثاني فيشمل الدعائم الفكرية والعملية التي قوم عليها فقه الاختلاف وهي تتجلى في عشرة فصول:

1. الاختلاف في الفروع ضرورة ورحمة وسعة.
2. اتباع المنهج الوسط وترك التنطع في الدين.
3. التركيز على المحكمات لا المتشابهات.
4. تجنب القطع والإنكار في المسائل الاجتهادية.
5. ضرورة الاطلاع على اختلاف العلماء.
6. تحديد المفاهيم والمصطلحات.
7. شغل المسلم بهموم أمته الكبرى.
8. التعاون في المتفق عليه.
9. التسامح في المختلف فيه.
10. الكف عمن قال (لا إله إلا الله).
وأما الباب الثالث فيشمل الدعائم الأخلاقية لفقه الاختلاف، وتتمثل في فصول ستة:
1. الإخلاص والتجرد من الأهواء.
2. التحرر من التعصب للأشخاص والمذاهب والطوائف.
3. إحسان الظن بالآخرين.
4. ترك الطعن والتجريح للمخالفين.
5. البعد عن المراء واللدد في الخصومة.
6. الحوار بالتي هي أحسن.

وأود أن أنبه هنا إلى أن الفصل بين الجانب الفكري والجانب الخلقي، إنما هو بحسب الظاهر والغالب، وإلا فإن التداخل بينهما قائم، وبخاصة أن الإسلام لا يعرف الفصل بين الجانبين من الناحية العملية.
وأما الخاتمة فهي تنبيه موجز وسريع لما يسعى إليه هذا البحث وما يرجوه من الجبهة الإسلامية لإعلاء كلمة الإسلام، وإنقاذ الأمة في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخها، مع إعطاء مثل تطبيقي في فقه الاختلاف من رجل له وزنه في نشر الدعوة الإسلامية، وتأصيل العمل الإسلامي، وهو الإمام الشهيد حسن البنا.






 
رد مع اقتباس
قديم 15-11-2007, 02:39 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
إبراهيم العبّادي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم العبّادي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم العبّادي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم العبّادي

افتراضي مشاركة: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

تمهيد :

أولا : أنواع الاختلافات وأسبابها .
ثانيا :الاختلاف الفقهي .



أنواع الاختلافات وأسبابها

الاختلافات من حيث أسبابها وجذورها أنواع، أو قل نوعان:

1. اختلافات أسبابها خلقية.

2. اختلافات أسبابها فكرية.

أما الاختلافات التي ترجع إلى أسباب أخلاقية، فهي معروفة للعلماء والمربين الذين يتدبرون دوافع الأحداث والمواقف، ولا يكتفون بالنظر إلى سطوحها دون أن يغوصوا في أعماقها.

ومن هذه الأسباب:

أ. الغرور بالنفس، والإعجاب بالرأي.

ب. سوء الظن بالغير، والمسارعة إلى اتهامه بغير بينة.

ج. حب الذات واتباع الهوى، ومن آثاره: الحرص على الزعامة أو الصدارة أو المنصب.

د. التعصب لأقوال الأشخاص والمذاهب والطوائف.

ه. العصبية لبلد أو إقليم أو حزب أو جماعة أو قائد.

وهذه كلها رذائل أخلاقية عدت من (المهلكات) في نظر (علماء القلوب) ويجب على المسلم العادي ـ بله العامل للإسلام الداعي إليه ـ أن يجاهد نفسه، حتى يتحرر منها، ولا يستسلم لها، ويسلم زمامه للشيطان، وأن يعمل بجد في رياضة نفسه حتى يتحلى بأضدادها.

والاختلاف الذي ينشأ عن هذه الرذائل أو المهلكات، اختلاف غير محمود، بل هو داخل في التفرق المذموم.

اختلافات أسبابها فكرية:

وأما الاختلافات التي سببها فكري، فمردها إلى اختلاف وجهات النظر في الأمر الواحد، سواء كان أمرا علميا كالخلاف في فروع الشريعة، وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية، أم كان أمرا عمليا كالخلاف في المواقف السياسة واتخاذ القرارات بشأنها، نتيجة الاختلاف في زوايا الرؤية، وفي تقدير النتائج وتبعا لتوافر المعلومات، عند طرف، ونقصها عند طرف آخر، وتبعا للاتجاهات المزاجية والعقلية للأطراف المتباينة، وتأثيرات البيئة والزمن عليها سلبا وإيجابا.

ومن أبرز الأمثلة لذلك: اختلاف الجماعات الإسلامية حول مواقف سياسية كثيرة في عصرنا، مثل خوض المعارك الانتخابية، ودخول المجالس النيابية، والمشاركة في الحكم في دولة لا تلتزم بتطبيق الإسلام كله، والتحالف مع بعض القوى السياسية غير الإسلامية أو غير المسلمة، لإسقاط قوة طاغية تخنق كل رأي حر، وتخرس كل صوت حر، إسلاميا أو غير إسلامي، مسلما أو غير مسلم.

وبعض الخلاف هنا سياسي محض، أي يتعلق بالموازنة بين المصالح والمفاسد وبين المكاسب والخسائر، في الحال وفي المآل.

وبعضها فقهي خالص، أي يرجع إلى الاختلاف في الحكم الشرعي في الموضوع: أهو الجواز أم المنع؟ مثل المشاركة في الحكم، والتحالف مع غير المسلمين، أو غير الإسلاميين، ومثل مشاركة المرأة في الانتخابات ناخبة ومرشحة. وبعضها اختلط فيه النظر الفقهي بالنظر المصلحي والسياسي.

ومن أهم الأمثلة البارزة وأوضحها هنا: اختلاف الرأي بين العاملين للإسلام في مناهج الإصلاح والتغيير المنشود:

أنبدأ بالقمة أم بالقاعدة؟

أنرجح طريق الثورة والعنف أم طريق التدرج والرفق؟

أيفضل الانقلاب العسكري أم الكفاح السياسي، أم التكوين التربوي؟

أنعطي الأولوية للعمل الجماهيري، أم لتكوين الطلائع؟

أيجوز تعدد الحركات العاملة للإسلام، فيعمل كل منها في ميدان أم لابد من حركة جامعة شاملة؟

إلى آخر ما يمكن أن يقال في هذا المجال، وهو رحب..

ويدخل في الخلافات الفكرية: اختلاف الرأي في تقويم بعض المعارف والعلوم مثل: علم الكلام، وعلم التصوف، وعلم المنطق، وعلم الفلسفة، والفقه المذهبي.

فهناك من يتعب لهذه العلوم بعضها أو كلها، ويدافع عنها، ويأخذها بعجرها وبجرها.

ومقابلة من يرفضها كلها، ويعتبرها دخيلة على الإسلام، مدسوسة عليه وإثمها أكبر من نفعها.

وبينهما من يتوسط بين الفريقين، ويجتهد أن يحكم بينهما بالقسط، وأن يأخذ منها يدع، ويقبل ويرفض.

كما يدخل في الخلافات الفكرية، الاختلاف في تقويم بعض الأحداث التاريخية وبعض الشخصيات التاريخية كذلك.

فمن الأحداث: ما وقع بين بعض الصحابة، مثل موقف عمر من خالد، وعثمان من ابن مسعود وأبي ذر، وموقف طلحة والزبير وعائشة من علي، وحرب صفين، وقضية التحكيم وما تبعها.

ومن الشخصيات: معاوية وأبوه وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم.

ومثلها الشخصيات العلمية، مثل بعض علماء الكلام أو رجال التصوف.

ومنها: أبو حامد الغزالي، وأبو العباس ابن تيمية، ومحيي الدين بن عربي وغيرهم من المشاهير الذين اختلف الناس في أمرهم، ما بين معظم أبلغ التعظيم إلى حد قد يصل إلى التقديس، وبين قادح طاعن مسرف في القدح.

على أن الخلاف الأكبر والأوسع هو الخلاف في فروع الفقه، وبعض مسائل العقيدة غير القطعية.

ولهذا النوع من الخلاف أمثلة شتى، نشير إليها في السطور التالية.



الاختلاف الفقهي

ومن أقوى أسباب الاختلاف والتفرق بين فصائل الصحوة الإسلامية: الاختلاف في فروع الفقه تبعا لتعدد المشارب والمدارس في فهم النصوص، وفي الاستنباط فيما لا نص فيه، ما بين موسع ومضيق، ومتشدد ومترخص، ميال إلى مدرسة النص، وميال إلى مدرسة الرأي، وما بين موجب لتقليد المذاهب على كل الناس ومحرم له على كل الناس أيضا، ومتوسط بينهما، ممن يجيز للعامي التقليد دون إلزام بمذهب معين، ويطالب كل من كان من أهل العلم أن يستكمل نقصه العلمي حتى يبلغ درجة النظر في الأدلة والترجيح بين الأقوال، والاجتهاد ـ ولو جزئيا ـ فيما جد من أمور.

ولذلك أمثلة في مجالات شتى:

في مجال الطهارة:

حكم (الكلونيا) و (السبرتو) المستخدم للتطهير وما استحال عن عين نجسة الأصل، ومياه المجاري إذا نقيت، والتوضؤ من أكل لحم الإبل، ومن لمس المرأة، ومس الذكر.. الخ.

وفي مجال الصلاة:

مثل إرسال اليدين أو قبضهما، وقراءة البسملة سرا أو جهرا أو عدمها، والاختلاف في الأذان والإقامة، وحكم صلاة الجماعة، وجلسة الاستراحة والنزول باليدين قبل الركبة أو العكس. وما يجوز من الجمع بين الصلاتين، وما لا يجوز.

وفي الزكاة:

هل تجب الزكاة في الفواكه والخضراوات وفي محاصيل أخرى مهمة كالقطن أو لا؟ وهل يجوز إخراج القيمة في الزكوات ـ وخصوصا زكاة الفطر ـ أو لا؟ هل في حلي النساء زكاة سنوية أو لا؟

وفي الصيام:

مثل إثبات دخول رمضان وعيد الفطر: أيكون برؤية الواحد أم بالاستعاضة أم بالحساب؟ أيتوسع في المفطرات أم يضيق فيها؟

وفي الحج:

أيجوز الإحرام من جدة لركاب الطائرات، أم لا؟ أيجوز الرمي قبل الزوال أم لا؟ أيجوز ذبح هدي التمتع في مكة قبل يوم النحر أم لا؟

وفي الزينة والتجمل:

أيكون إعفاء اللحية واجبا أم سنة؟ وهل يجوز تهذيبها والأخذ منها أو لا؟ وما حكم إحفاء الشارب؟ وهل يحرم إطالة الثوب ولو لغير خيلاء؟ وهل يجب على المرأة المسلمة لبس النقاب أو يكفي تغطية ما عدا الوجه والكفين؟ وهل يجوز لها بعض الزينة الخفيفة مثل الكحل في العينين والخاتم في اليدين؟ وهل يجوز استعمال (الكولونيا) للتطيب؟ وما حكم التصوير؟ ما له ظل وما ليس له ظل، وبخاصة التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني.

وفي اللهو والترفيه:

هل يجوز سماع الغناء بآلة أو بغير آلة أو لا؟ وما قيود ذلك وشروطه عند الجواز؟

وفي المأكل والمشرب:

هل يجوز تناول ذبائح أهل الكتاب؟ وهل يعتبر أهل أوروبا وأمريكا أهل كتاب أو لا؟

وفي فقه الأموال والمعاملات:

هل يجوز تسعير السلع والإجارات، وخصوصا المساكن، والعقارات؟

وبالتالي: إلى أي مدى يجوز تدخل الدولة في الاقتصاد وتوجيهه؟

وما الحكم في استغلال الأرض البيضاء والمزرعة؟ وما تأويل الأحاديث التي نهت عن كراء الأرض؟ والأحاديث التي تقول: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه"؟ وما حكم التأمين بأنواعه المختلفة؟

وما حكم العمل في المؤسسات الحالية التي لا تلتزم بكل أحكام الإسلام؟

وفي الفقه السياسي والدستوري والدولي:

ما القول في الحكام الذين لا يحكمون بما أنزله الله: أهم كفرة أم عصاة فقط؟

وما الحكم في استخدام القوة لإسقاطهم؟

وما الحكم في محاولة بعض الأفراد تغيير المنكرات العامة باليد أي باستعمال العنف والقوة المادية؟

وما الحكم في الانتخاب لاختيار أهل الحل والعقد أو أهل الشورى؟

وما حكم الشورى: أهي معلمة أم ملزمة؟

وما القول في تحديد مدة الإمارة أو رئاسة الدولة؟

وما موقف الأقليات غير المسلمة من وظائف الدولة المسلمة؟

وما موقف الأقليات المسلمة في دولة غير مسلمة؟

وما الأصل في العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها: أهو السلام أم الحرب؟

وهل الجهاد للدفاع أو للهجوم؟

وبعبارة أخرى: هل يقاتل الكفار لكفرهم أو لعدوانهم على المسلمين؟

وهل هناك دار غير دار الإسلام ودار الحرب؟

وما المدلول المحدد لكل من هاتين الدارين؟

وغيرها.. وغيرها.. من القضايا الكثيرة المتنوعة، التي تختلف فيها وجهات النظر، وتتعدد الإجابات والفتاوى في شأنها من أهل العلم والفكر، شأن كل المسائل الاجتهادية، التي ليس فيها نص شرعي قطعي الثبوت، قطعي الدلالة.






 
رد مع اقتباس
قديم 15-11-2007, 06:41 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
إبراهيم العبّادي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم العبّادي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم العبّادي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم العبّادي

افتراضي مشاركة: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

الباب الأول :الاتحاد فريضة والتفرق جريمة :

أولا : تفرق الأمة ليس قدرا لازما ولا دائما :
** معنى جعل بأس هذه الأمة بينها .
** حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة .
ثانيا : الاتحاد والترابط فريضة إسلامية :
** لماذا الحرص على الوحدة والترابط .
**من توجيهات القرآن .
** من توجيهات السنة .
** من كراهية الإسلام للفرقة .



**************

أولا : تفرق الأمة ليس قدرا لازما ولا دائما :
** معنى جعل بأس هذه الأمة بينها .



ويقول بعض الناس: إن تفرق الأمة أمر لازم فرضه القدر وأخبر به الشرع فلا مناص منه، ولا مهرب منه.

يدل لذلك:

1. ما جاء من أحاديث تكاثرت واستفاضت تنبئ بأن الله تعالى جعل بأس هذه الأمة بينها.

2. حديث افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.

معنى جعل بأس هذه الأمة بينها:
أما أحاديث جعل هذه الأمة بأسها بينها، وتسليط بعضها على بعض، فهي أحاديث صحيحة مستفيضة رويت عن عدد من الصحابة، منهم سعد بن أبي وقاص وثوبان، وجابر بن عتيك، وأنس بن مالك، وحذيفة ومعاذ بن جبل، وخباب بن الأرت، وشداد بن أوس، وخالد الخزاعي، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس وأبي هريرة.

وقد ذكر هذه الأحاديث الحافظ ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) (سورة الأنعام: 65).

واكتفي من هذه الأحاديث بثلاثة:

ما رواه أحمد ومسلم عن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال صلى الله عليه وسلم: "سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة أعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".

وروى الإمام أحمد وغيره عن خباب بن الأرت: راقبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة صلاها كلها، حتى كان مع الفجر، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته، فقلت: يا رسول الله، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل إنها صلاة رغب ورهب! سألت ربي عز وجل فيها ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي عز وجل أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل أن لا يظهر علينا عدوا من غيرنا، فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل أن لا يلبسنا شيعا فمنعنيها".

فروى مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها.." الحديث.

والأحاديث المذكورة ـ وما في معناها مما لم نذكره ـ واضحة الدلالة على المراد، وهو أن الله تعالى ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم في أمته أمرين كرامة له عليه الصلاة والسلام، وأجاب دعوته فيهما:

الأول: أن لا يهلكها بما أهلك به الأمم السابقة بمثل الغرق الذي أهلك الله به القوم نوح، أو فرعون وجنوده، أو بالسنين أي المجاعات الماحقة التي تهلك بها الأمة كافة، أو بغير ذلك من الرجم من فوقهم أو الخسف من تحت أرجلهم.

الثاني: أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، يسلط عليهم بحيث يستبيح بيصتهم ويستأصل شأفتهم، ويقضي على وجودهم.

ولكن أمرا آخر طلبه النبي صلى الله عليه وسلم من ربه، فلم يجب إليه ولم يضمنه له، وهو: أن لا يلبس هذه الأمة شيعا، ولا يجعل بأسها بينها، فلم يجب الله سبحانه لرسوله الكريم هذا السؤال، وتركه للسنن الكونية والاجتماعية، ولشبكة الأسباب والمسببات.

فالأمة هنا هي مالكة أمر نفسها، لم يجبرها الله على شيء، ولم يخصها ـ في هذا المجال ـ بشيء، فإذا هي استجابت لأمر ربها، وتوجيه نبيها، ودعوة كتابها، ووحدت كلمتها، وجمعتصفها، عزت وسادت وانتصرت على عدو الله وعدوها، وحققت ما يرجوه الإسلام منها، وإن هي استجابت لدعوات الشياطين، وأهواء الأنفس تفرقت بها السبل، وسلط عليها أعداؤها، من خلال تفرقها، وتمزق صفوفها، كما أشار إلى ذلك الحديث "حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا".

والحديث لا يعني بحال أن يكون تفرق الأمة وتسلط بعضها على بعض أمرا لازما، ودائما وعاما، يشمل كل الأزمنة، وكل الأمكنة، وكل الأحوال إلى يوم القيامة.

وإلا لم يكن هناك معنى لقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران: 103).

ولا لقوله عز وجل: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) (آل عمران: 105).

ولا لقوله سبحانه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (سورة الأنفال: 46).

ولا لقوله جل شأنه: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) (سورة الصف: 4).

ولا لقوله عز من قائل: (ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون) (سورة الروم: 31-32).

ولا لقوله: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) (سورة المؤمنين: 52).

ولا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا".

ولا لقوله عليه الصلاة والسلام: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا".

وقوله: "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر".

وقوله: "لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا".

إلى غير ذلك من نصوص القرآن والحديث التي أمرت بالاتحاد والائتلاف، ونهت عن التفرق والاختلاف والتي أوجبت على المسلمين أن يكون لهم إمام واحد، وأن لا يبايعوا لخليفتين في وقت واحد، وأن يقاوموا من يريد أن يفرق كلمتهم وأمرهم جميع.. الخ.

ولو كان التفرق قدرا مفروضا على الأمة بصورة عامة ودائمة لكانت هذه الأوامر والنواهي عبثا، لأنها تأمر بما لا يمكن وقوعه، وتنهى عما يستحيل اجتنابه.

والأحاديث التي أخبرت بأن الله لم يسلط على الأمة عدوا من غيرها يقوض بنيانها، ويأتي عليه من القواعد، وإنما تركها لأنفسها، وجعل بأسها بينها ـ لم تخبر بأن هذا أمر واقع في كل بقعة من أرض الإسلام، وفي كل عصر من العصور.

إنما هو داء وبيل تصاب به الأمة كلما تهيأت أسبابه، ولم تتحصن منه بما ينبغي، كما يصاب الفرد بالمرض إذا أهمل الوقاية، أو قصر في العلاج.

وقد يقع في مكان دون مكان، وفي زمان دون زمان، وبين قوم معينين دون غيرهم، ويكفي مثل هذا ليصدق الخبر النبوي.

وقد جاء في بعض الأحاديث، أن جعل بأس الأمة بينها يكون عقوبة من الله لها على انحرافها عن شرعه وكتابه، ولا سيما أئمتها ورؤساؤها. كما جاء في حديث ابن عمر مرفوعا: "وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم".

على أن ما أنذرت به الأحاديث المذكورة من جعل بأس الأمة بينها يمكن أن يفسر بما وقع بالفعل في بعض الأزمنة السابقة، كما وقع في عهد الصحابة أنفسهم من الفتن، وما وقع في عهود من بعدهم، في العصر الأموي ثم في العصر العباسي، مما مهد لدخول الصليبيين من الغرب، والتتار من الشرق، إلى دار الإسلام، والسيطرة على أجزاء منها مدة من الزمان.

وقد بشرت أحاديث أخرى بأن الإسلام ستعلو كلمته، وأنه سيدخل أوروبا مرة أخرى، بعد أن طرد منها مرتين، وأنه سيفتح (رومية) كما فتح من قبل (القسطنطينية) وأنه لا يبقى بيت مدر أو وبر إلا أدخله الله هذا الدين، الذي سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، ومعلوم أن هذا كله لا يمكن أن يتم والأمة ممزقة يضرب بعضها رقاب بعض، إنما يتم ذلك حين تتوحد الكلمة على الإسلام، وتمضي الأمة تحت راية الإيمان.


** حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة:



أما حديث افتراق الأمة إلى فرق فوق السبعين كلها في النار إلا واحدة، ففيه كلام كثير في ثبوته وفي دلالته.

أ- فأول ما ينبغي أن يعلم هنا أن الحديث لم يرد في أي من الصحيحين، برغم أهمية موضوعه، دلالة على أنه لم يصح على شرط واحد منهما.

وما يقال من أنهما لم يستوعبا الصحيح، فهذا مسلم، ولكنهما حرصا أن لا يدعا بابا مهما من أبواب العلم إلا ورويا فيه شيئا ولو حديثا واحدا.

ب- إن بعض روايات الحديث لم تذكر أن الفرق كلها في النار إلا واحدة، وإنما ذكرت الافتراق وعدد الفرق فقط. وهذا هو حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وفيه يقول:

"افترقت اليهود على إحدى ـ أو اثنتين ـ وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى ـ أو اثنتين ـ وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة".

والحديث ـ وإن قال فيه الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم ـ مداره على محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، ومن قرأ ترجمته في "تهذيب التهذيب"، علم أن الرجل متكلم فيه من قبل حفظه، وإن أحدا لم يوثقه بإطلاق وكل ما ذكروه أنهم رجحوه على من هو أضعف منه. ولهذا لم يزد الحافظ في التقريب على أن قال: صدوق له أوهام. والصدق وحده في هذا المقام لا يكفي ما لم ينضم إليه الضبط، فكيف إذا كان معه أوهام؟؟‍!

ومعلوم أن الترمذي وابن حبان والحاكم من المتساهلين في التصحيح، وقد وصف الحاكم بأنه واسع الخطو في شرط التصحيح.

وهو هنا صحح الحديث على شرط مسلم، باعتبار أن محمد بن عمرو احتج به مسلم، ورده الذهبي بأنه لم يحتج به منفردا، بل بانضمامه إلى غيره (1/6). على أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة ليس فيه زيادة: أن الفرق "كلها في النار إلا واحدة" وهي التي تدور حولها المعركة.

وقد روي الحديث بهذه الزيادة من طريق عدد من الصحابة: عبد الله بن عمرو، ومعاوية، وعوف بن مالك وأنس، وكلها ضعيفة الإسناد، وإنما قووها بانضمام بعضها إلى بعض.

والذي أراه أن التقوية بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، فكم من حديث له طرق عدة ضعفوه، كما يبدو ذلك في كتب التخريج، والعلل، وغيرها! وإنما يؤخذ بها فيما لا معارض له، ولا إشكال في معناه.

وهنا إشكال أي إشكال في الحكم بافتراق الأمة أكثر مما افترق اليهود والنصارى من ناحية، وبأن هذه الفرق كلها هالكة وفي النار إلا واحدة منها. وهو يفتح بابا لأن تدعى كل فرقة أنها الناجية، وأن غيرها هو الهالك، وفي هذا ما فيه من تمزيق للأمة وطعن بعضها في بعض، مما يضعفها جميعا، ويقوي عدوها عليها، ويغريه بها.

ولهذا طعن العلامة ابن الوزير في الحديث عامة، وفي هذه الزيادة خاصة، لما تؤدي إليه من تضليل الأمة بعضها لبعض، بل تكفيرها بعضها لبعض.

قال رحمه الله في "العواصم" وهو يتحدث عن فضل هذه الأمة، والحذر من التورط في تكفير أحد منها، قال: وإياك والاغترار بـ "كلها هالكة إلا واحدة" فإنها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة، ولا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة.

قال: وعن ابن حزم: إنها موضوعة، عير موقوفة ولا مرفوعة، وكذلك جميع ما ورد في ذم القدرية والمرجئة والأشعرية، فإنها أحاديث ضعيفة غير قوية.

ج- إن من العلماء قديما وحديثا من رد الحديث من ناحية سنده، ومنهم من رده من ناحية متنه ومعناه.

فهذا أبو محمد بن حزم، يرد على من يكفر الآخرين بسبب الخلاف في الاعتقاديات بأشياء يوردونها.

وذكر من هذه الأشياء التي يحتجون بها في التكفير حديثين يعزونهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هما:

1. "القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة".

2. "تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة، كلها في النار حاشا واحدة، فهي في الجنة".

قال أبو محمد: هذان حديثان لا يصحان أصلا من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به؟

وهذا الإمام اليمني المجتهد، ناصر السنة، الذي جمع بين المعقول والمنقول، محمد بن إبراهيم الوزير يقول في كتابه "العواصم والقواصم" أثناء سرده للأحاديث التي رواها معاوية رضي الله عنه، فكان منها (الحديث الثامن): حديث افتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا فرقة واحدة، قال: وفي سنده ناصبي، فلم يصح عنه، وروى الترمذي مثله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: حديث غريب. ذكره في الإيمان من طريق الإفريقي واسمه عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عنه.

وروى ابن ماجه مثله عن عوف بن مالك، وأنس.

قال: وليس فيها شيء على شرط الصحيح، ولذلك لم يخرج الشيخان شيئا منها. وصحح الترمذي منها حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، وليس فيه "كلها في النار إلا فرقة واحدة" وعن ابن حزم: أن هذه الزيادة موضوعة ذكر ذلك صاحب "البدر المنير".

وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض)، وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة" ولم يزد على ذلك فلم يصفه بصحة ولا حسن، رغم أنه أطال تفسير الآية بذكر الأحاديث والآثار المناسبة له.

وذكر الإمام الشوكاني قول ابن كثير في الحديث ثم قال: قلت: أما زيادة "كلها في النار إلا واحدة" فقد ضعفها جماعة من المحدثين، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة.

على أن الحديث ـ وإن حسنه بعض العلماء كالحافظ ابن حجر، أو صححه بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد طرقه ـ لا يدل على أن هذا الافتراق بهذه الصورة وهذا العدد، أمر مؤيد ودائم إلى أن تقوم الساعة، ويكفي لصدق الحديث أن يوجد هذا في وقت من الأوقات.

فقد توجد بعض هذه الفرق، ثم يغلب الحق باطلها، فتنقرض ولا تعود أبدا.

وهذا ما حدث بالفعل لكثير من الفرق المنحرفة، فقد هلك بعضها، ولم يعد لها وجود.

ثم إن الحديث يدل على أن هذه الفرق كلها جزء من أمته صلى الله عليه وسلم أعني أمة الإجابة المنسوبة إليه، بدليل قوله: "تفترق أمتي" ومعنى هذا أنها ـ برغم بدعتها ـ لم تخرج عن الملة، ولم تفصل من جسم الأمة المسلمة.

وكونها (في النار) لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين.

وقد يشفع لهم شفيع مطاع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين وقد يكون لهم من الحسنات الماحية أو المحن والمصائب المكفرة، ما يدرأ عنهم العذاب.

وقد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه، ولا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق، ولكنهم لم يوفقوا وأخطئوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.










 
رد مع اقتباس
قديم 16-11-2007, 07:51 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
إبراهيم العبّادي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم العبّادي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم العبّادي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم العبّادي

افتراضي مشاركة: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

تابع للباب الأول :

الاتحاد والترابط فريضة إسلامية


** لماذا الحرص على الوحدة والترابط؟

لماذا حرص الإسلام كل هذا الحرص على الاتحاد والترابط، ولماذا حذر كل هذا التحذير من التفرق، والتشاحن؟

الواقع إن وراء الاتحاد منافع وآثارها في حياة الأمة لا تخفي على ذي لب.

(أ) ـ فالاتحاد يقوي الضعفاء، ويزيد الأقوياء قوة، على قوتهم، فاللبنة وحدها ضعيفة مهما تكن متانتها، وآلاف اللبنات المتفرقة والمتناثرة ضعيفة بتناثرها وإن بلغت الملايين، ولكنها في الجدار قوة لا يسهل تحطيمها لأنها باتحادها مع اللبنات الأخرى، في تماسك نظام، أصبحت قوة أي قوة، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف بقوله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه.

ونبهت عليه الآية الكريمة، حيث يقول تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) (سورة الصف: 4).

والقصة المشهورة التي علمها الأب لأبنائه تؤكد هذا المعنى، إذ لم يستطع أي واحد منهم، أن يكسر مجموعة العصي المتضامة على حين أمكن بيسر كسر كل منها على حدة، وقال في ذلك:

كونوا جميعا يا بني إذا اعترى خطب ولا تتفرقوا آحادا!

تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت أفرادا!

(ب) والاتحاد كذلك عصمة من الهلكة، فالفرد وحده يمكن أن يضيع، ويمكن أن يسقط، ويفترسه شياطين الإنس والجن، ولكنه في الجماعة محمي بها كالشاة في وسط القطيع، لا يجترئ الذئب أن يهجم عليها، فهي محمية بالقطيع كله، إنما يلتهمها الذئب حين تشرد عن جماعتها وتنفرد بنفسها، فيجد فيها ضالته، ويعمل فيها أنيابه، ويأكلها فريسة سهلة.

وفي هذا جاء الحديث "عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار".

"إن الشيطان ذئب الإنسان، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".

"عليكم بالجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد".

ومما له دلالته القوية في الحفاظ على وحدة الجماعة ما ذكرته في كتابي "بينات الحل الإسلامي" مما سجله القرآن الكريم في قصة موسى عليه السلام حينما ذهب لمناجاة ربه، استجابة لوعد الله تعالى، الذي واعده ثلاثين ليلة، ثم أتممها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وخلف في قومه أخاه وشريكه في الرسالة هارون عليهما السلام.

وفي غيبة موسى فتن قومه بعبادة العجل الذي صنعه لهم السامري، فلما رجع موسى إلى قومه، فوجئ بهذا الانحراف الكبير الذي يتصل بجوهر العقيدة التي بعث بها هو، وبعث بها كل الرسل من قبله ومن بعده.

وهنا غضب موسى، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقال: (يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا، ألا تتبعن، أفعصيت أمري) (سورة طه: 92،93) فكان جواب هارون كما ذكر القرآن: (قال يا ابن آدم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين إسرائيل، ولم ترقب قولي) (سورة طه: 94).

وفي هذا الجواب نرى أن نبي الله هارون اعتذر لأخيه بهذه الجملة: (إني خشيت أن تقول: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي).

ومعنى هذا أنه سكت على ارتكاب الشرك الأكبر، وعبادة العجل، الذي فتنهم به السامري، حفاظا على وحدة الجماعة، وخشية من تفرقها، وهي ـ لا شك ـ خشية موقوتة بمدة غياب موسى، حتى إذا عاد تفاهم الأخوان الرسولان في كيفية مواجهة الأزمة.





من توجيهات القرآن

يجب أن يكون هدف الداعين إلى الإسلام والعاملين له: الاتحاد والألفة، واجتماع القلوب، والتئام الصفوف، والبعد عن الاختلاف والفرقة، وكل ما يمزق الجماعة أو يفرق الكلمة، من العداوة الظاهرة، أو البغضاء الباطنة، ويؤدي إلى فساد ذات البين، مما يوهن دين الأمة ودنياها جميعا.

فلا يوجد دين دعا إلى الأخوة التي تتجسد في الاتحاد والتضامن، والتساند والتآلف، والتعاون والتكاتف، وحذر من التفرق والاختلاف والتعادي، مثل الإسلام في قرآنه وسنته.

من توجيهات القرآن:
يقول الله تعالى في سورة آل عمران: (يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين. وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم. يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) (سورة آل عمران: 100ـ 107).

نقل الحافظ السيوطي في "الدر المنثور" في سبب النزول هذه الآيات جملة آثار عن بعض الصحابة والتابعين، أكثرها تفصيلا: ما أخرجه ابن اسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: مر شاس بن قيس ـ وكان شيخا قد عسا في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم ـ على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من إلفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شابا معه من يهود، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعا، وقالوا: قد فعلنا، السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة الحرة ـ فخرجوا إليها، وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ أبعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم لهم، فألقوا السلاح، وبكوا، وعانق الرجال بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس، وما صنع: (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون). إلى قوله: (وما الله بغافل عما تعملون) وأنزل في أوس بن قيظي وجبار بن صخر ومن كان معهما، من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) إلى قوله: (وأولئك لهم عذاب عظيم).

والآيات الكريمة دعوة قوية إلى توحيد الكلمة، واجتماع الصف المسلم على الإسلام، وقد تضمنت:

1. التحذير من دسائس غير المسلمين، ومن طاعتهم فيما يوسوسون به، فليس وراءها إلا الارتداد على الأعقاب، والكفر بعد الإيمان.

2. التعبير عن الاتحاد بالإيمان، وعن التفرق بالكفر، فإن معنى (يردوكم بعد إيمانكم كافرين) أي بعد وحدتكم وأخوتكم متفرقين متعادين كما تدل أسباب النزول.

3. أن الاعتصام بحبل الله من الجميع هو أساس الوحدة والتجمع بين المسلمين وحبل الله هو الإسلام، والقرآن.

4. التذكير بنعمة الأخوة الإيمانية بعد عداوات الجاهلية وإحنها وحروبها، وهي أعظم النعم بعد الإيمان (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم) (سورة الأنفال: الآية: 63).

5. لا يجمع الأمة أمر مثل أن يكون لها هدف كبير تعيش له، ورسالة عليا تعمل من أجلها، وليس هناك هدف أو رسالة للأمة الإسلامية أكبر ولا أرفع من الدعوة إلى الخير الذي جاء به الإسلام، وهذا سر قوله تعالى في هذا السياق (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).

6. التاريخ سجل العبر، والواعظ الصامت للبشر، وقد سجل التاريخ أن من قبلنا تفرقوا واختلفوا في الدين فهلكوا، ولم يكن لهم عذر، لأنهم اختلفوا بعد ما جاءهم العلم، وجاءتهم البينات من ربهم، ومن هنا كان التحذير الإلهي: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم).

هذا وقد أكد القرآن أن المسلمين ـ وإن اختلفت أجناسهم وألوانهم وأوطانهم ولغاتهم وطبقاتهم ـ أمة واحدة، وهم الأمة الوسط الذين جعلهم الله (شهداء على الناس) (سورة البقرة: 143) وهم كما وصفهم القرآن (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (سورة آل عمران الآية: 110).

وأعلن القرآن أن الأخوة الواشجة هي الرباط المقدس بين جماعة المسلمين وهي العنوان المعبر عن حقيقة الإيمان (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) (سورة الحجرات: 10).

وجاءت الآيات بعد هذه الآية تقيم سياجا من الآداب والفضائل الأخلاقية يحمي الأخوة مما يشوهها ويؤذيها، من السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغيبة (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خير منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه، واتقوا الله إن الله تواب رحيم) (سورة الحجرات: 11،12).

وحذر القرآن من التفرق إيما تحذير. ومن ذلك قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا، ويذيق بعضكم بأس بعض) (سورة الأنعام: 65).

فجعل تفريق الأمة شيعا، يذوق بعضها بأس بعض، من أنواع العقوبات القدرية التي ينزلها الله بالناس إذا انحرفوا عن طريقه، ولم يعتبروا بآياته، وقرنها القرآن بالرجم ينزل من فوقهم، كالذي نزل بقوم لوط، أو بالخسف يقع من تحت أرجلهم، كالذي وقع لقارون.

وقال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم كانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) (سورة الأنعام: 159).

جاء عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى الذين تفرقوا واختلفوا في دينهم.

وجاء عن غيره أنهم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة.

قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد، لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه (وكانوا شيعا) أي فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى، قد برأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما هم فيه. وهذه الآية كقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) (سورة الشورى: 13).

وذم القرآن الذين تفرقوا واختلفوا في الدين من أهل الكتاب في آيات كثيرة سيمر علينا بعضها في موضعه من هذا البحث.






توجيهات السنة النبوية


أما السنة النبوية فقد قررت وأكدت وفصلت ما جاء به القرآن الكريم من الدعوة إلى الاتحاد والائتلاف، والتحذير من التفرق والاختلاف.

فقد دعت السنة إلى الجماعة والوحدة، ونفرت من الشذوذ والفرقة، دعت إلى الأخوة والمحبة، وزجرت عن العداوة والبغضاء.

والأحاديث في هذا كثيرة وفيرة..

روى الترمذي عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية (اسم موضع) فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، فقال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.. عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة.

وروي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يد الله مع الجماعة".

وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يجمع أمتي ـ أو قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم ـ على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار".

وفي الصحيحين: "أن من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتة جاهلية".

وأكدت السنة الدعوة إلى الأخوة والوحدة بين المسلمين في مواقف كثيرة وبأساليب شتى "المسلم أخو المسلم، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته".

"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

"والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟ افشوا السلام بينكم".

"المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم".

ولقد حذرت السنة النبوية أبلغ التحذير وأشده من التباغض والتهاجر، والتشاحن، وفساد ذات البين.

فمن حديث أنس بن مالك عنه صلى الله عليه وسلم "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام".

ومن حديث أبي هريرة: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا".

ومن حديث أبي هريرة أيضا: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ههنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات.. "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه".

ومن حديثه كذلك: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء (أي عداوة) فيقال: أنظروا (أي أخروا) هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا".

ومن حديث أبي الدرداء: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة".

قال الترمذي: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين".

ومن حديث أبي هريرة: "إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة".

ومن حديث مولى الزبير عن الزبير: "دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين والذين نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا".

ومن حديث ابن عباس: "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أم قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإخوان متصارمان" أي متقاطعان.

ومن حديث أبي خراش الأسلمي: "من هجر أخاه سنة، فهو كسفك دمه".

ومن حديث جابر بن عبد الله: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم"






من كراهية الإسلام للفرقة

ومن كراهية الإسلام للفرقة والاختلاف، نجد الرسول الكريم، يأمر بالانصراف عن قراءة القرآن إذا خشي من ورائها أن تؤدي إلى الاختلاف.

فقد روى الشيخان عن جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه" أي تفرقوا وانصرفوا لئلا يتعادى بكم الاختلاف إلى الشر.

فرغم ما هو معلوم لكل مسلم من فضل قراءة القرآن، وأن لقارئه بكل حرف عشر حسنات، لم يأذن بقراءته إذا أدت إلى التنازع والاختلاف، سواء كان الاختلاف في القراءة وكيفية الأداء، فأمروا أن يتفرقوا عند الاختلاف، ويستمر كل منهم على قراءته، كما ثبت فيما وقع بين عمر وهشام، وبين ابن مسعود وبعض الصحابة وقال: كلاكما محسن.

أم كان الاختلاف في فهم معانيه، فالمعنى: اقرؤوه وألزموا الائتلاف على ما دل عليه، وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف، أو عرض عارض شبهة تقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق، فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة، وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة، وهو كقوله في الحديث الآخر: "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم".

وفي هذه الأحاديث ـ كما قال الحافظ ابن حجر ـ الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف، والنهي عن المراء في القرآن بغير حق.











 
رد مع اقتباس
قديم 18-11-2007, 02:26 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
إبراهيم العبّادي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم العبّادي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم العبّادي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم العبّادي

افتراضي مشاركة: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

الفصل الثاني : الدعائم الفكرية في فقه الاختلاف .

الاختلاف في الفروع ضرورة ورحمة وسعة




طبيعة الدين

يجب أن يعلم الذين يريدون جميع الناس على رأي واحد، في أحكام العبادات والمعاملات ونحوها من فروع الدين: أنهم يريدون ما لا يمكن وقوعه، ومحاولتهم رفع الخلاف لا تثمر إلا توسيع دائرة الخلاف. وهي محاولة تدل على سذاجة بينة، ذلك أن الاختلاف في فهم الأحكام الشرعية غير الأساسية ضرورة لا بد منها.

وإنما أوجب هذه الضرورة طبيعة الدين، وطبيعة اللغة، وطبيعة البشر، وطبيعة الكون والحياة.

طبيعة الدين:
فأما طبيعة الدين، فقد أراد الله تعالى، أن يكون في أحكامه المنصوص عليه والمسكوت عنه، وأن يكون في المنصوص عليه المحكمات والمتشابهات، والقطعيات والظنيات، والصريح المؤول، لتعمل العقول في الاجتهاد والاستنباط، فيما يقبل الاجتهاد والاستنباط، وتسلم فيما لا يقبل ذلك، إيمانا بالغيب، وتصديقا بالحق، وبهذا يتحقق الابتلاء الذي بنى الله عليه خلق الإنسان: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه) (الإنسان:2).

ولو شاء الله لجعل الدين كله وجها واحدا، وصيغة واحدة، لا تحتمل خلافا ولا تحتاج إلى اجتهاد، من حاد عنها قيد شعرة فقد كفر.

ولكنه لم يفعل ذلك، لتتفق طبيعة الدين مع طبيعة اللغة، وطبيعة الناس ويوسع الأمر على عباده.

أجل لو شاء الله تعالى أن يتفق المسلمون على كل شيء، ولا يقع منهم اختلاف في شيء، ولو كان فرعا من الفروع، أو أصلا من الأصول غير الضرورية لأنزل كتابه كله نصوصا محكمات قاطعات الدلالة، لا تختلف فيها الأفهام ولا تتعدد التفسيرات، ولكنه جل شأنه أراد أن يكون في كتابه المحكمات ـ وهن أم الكتاب ومعظمه ـ وفيه المتشابهات، وهن أقله، وفي ذلك ابتلاء من ناحية، وشحذ للعقول لتجتهد من ناحية أخرى.

فيقول تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات، هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) (آل عمران: 7).

بل إننا نجد ـ قبل مرحلة الفهم والتفسير ـ مرحلة القراءة نفسها، فقد تعددت القراءات في كتاب الله إلى سبع، بل إلى عشر، وهي القراءات المتلقاة بالقبول من الأمة، ولم ير أحد من علماء المسلمين في ذلك أي حرج، لأنها كلها ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "سمعت رجلا قرأ آية، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرأ خلافها، فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهة، فقال: كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا".

وروى الجماعة مثله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قضيته مع هشام بن حكيم.

قال العلامة ابن الوزير معلقا على هذا الموضع:

فهذا الخلاف الذي نهي عنه، وحذر منه الهلاك، هو التعادي. فأما الاختلاف بغير تعاد فقد أقرهم عليه، ألا تراه قال لابن مسعود: "كلاكما محسن" حين أخبره باختلافهما في القراءة؟ ثم حذرهم من الاختلاف بعد الحكم بإحسانهما في ذلك الاختلاف، فالاختلاف المحذر منه غير الاختلاف المحسن به منهما، فالمحذر منه التباغض والتعادي والتكاذب المؤدي إلى فساد ذات البين، وضعف الإسلام، وظهور أعدائه على أهله، والمحسن هو عمل كل أحد بما علم، مع عدم المعاداة لمخالفه والطعن عليه.

قال: وعلى ذلك درج السلف الصالح من أهل البيت والصحابة والتابعين.


طبيعة اللغة

وأما طبيعة اللغة، فلا شك أن مصدر الدين الذي يرجع إليه ويستدل به ويلزم من آمن به، هو القرآن والسنة، كما قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (الأحزاب: 36).

والقرآن الكريم نصوص قولية لفظية، وجمهرة السنة كذلك أقوال ونصوص لفظية وهذه النصوص القرآنية والنبوية يجري عليها ما يجري على كل نص لغوي عند فهمه وتفسيره، ذلك أنها جاءت على وفق ما تقتضيه طبيعة اللغة في المفردات والتراكيب، ففيها اللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى، وفيها ما يحتمل الحقيقة والمجاز، أو ما يقوله المناطقة: ما يحتمل دلالة المطابقة ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام، أو اللزوم.

فيها ما يدل بالمنطوق، وما يدل بالمفهوم، فيها العام والخاص، والمطلق والمقيد، في كل منها ما دلالته قاطعة، وما دلالته محتملة، راجحة أو مرجوحة وما يعتبر راجحا عند زيد يعتبر مرجوحا عند عمرو.

خذ مثلا آية كآية الطهارة من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) (المائدة: 6).

كم في هذه الآية من آراء وأقوال للفقهاء اختلفت أفهامهم وتعدد تفسيراتهم، وجلها يتعلق بأمور لغوية.

هل الترتيب بين هذه الأعضاء الأربعة ـ مغسولة وممسوحة ـ فرض أو لا؟

وهل الغاية في قوله "إلى المرفقين" وقوله "إلى الكعبين" داخلة أو لا؟

وهل الباء في قوله "برؤوسكم" تفيد الإلصاق أو التبعيض أو هي زائدة؟

وما تأويل قراءة "وأرجلكم" بالجر؟

وما المراد بقوله تعالى "أو لامستم النساء" لمس البشرة للبشرة أم كناية عن الجماع كما يقول ابن عباس؟

وما المراد بالصعيد في التيمم؟ أهو التراب أم كل ما كان من جنس الأرض؟

وما المراد باليد في قوله "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه" أهي مجرد الكفين أم ما ذكر في الوضوء، وهو ما يصل إلى المرفقين؟

وما معنى قوله "فلم تجدوا"؟ أيدخل فيه فقدان الماء حكما وإن وجد حقيقة؟ كما إذا كان محتاجا إليه لشرب أو عجن أو طبخ؟

إلى غير ذلك من الاحتمالات التي أخذ بكل منها إمام من الأئمة.





طبيعة البشر

وأما طبيعة البشر، فقد خلقهم الله مختلفين، فكل إنسان له شخصيته المستقلة، وتفكيره المتميز، وطابعه المتفرد، يبدو ذلك في مظهره المادي، كما في مخبره المعنوي، فكما ينفرد كل إنسان بصورة وجهه، ونبره صوته و(بصمة) بنانه، ينفرد كذلك بلون تفكيره وميوله وذوقه، ونظرته إلى الأشياء والأشخاص والمواقف والأعمال.

وإن من العبث كل العبث أن يراد صب الناس كلهم في قالب واحد في كل شيء، وجعلهم نسخا مكررة، ومحو كل اختلاف بينهم، فهذا غير ممكن، لأنه مخالف لفطرة الله التي فطر عليها الناس، وغير نافع لو أمكن لأنه لا نفع في مخالفة الفطرة، بل من خالف الفطرة عاقبته عقابا معجلا.

ثم إن هذا الاختلاف إنما هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، والتنوع دائما مصدر إثراء وخصوبة، وهو آية من آيات الله الدالة على عظيم قدرته وبديع حكمته: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) (سورة الروم:22).

وكما جعل الله النخل والزرع مختلفا أكله، والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه، وأنواعها من الزرع والثمر (يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل) (الرعد:4). كذلك خلق الناس مختلفين، وإن كانوا كلهم من ذكر وأنثى.

فمن الناس من يميل إلى التشديد، ومنهم من يميل إلى التيسير، منهم من يأخذ بظاهر النص، ومنهم من يأخذ بفحواه وروحه، منهم من يسأل عن الخير ومنهم من يسأل عن الشر مخافة أن يدركه، منهم ذو الطبيعة المرحة المنبسطة ومنهم ذو الطبيعة الانطوائية المنكمشة.

وهذا الاختلاف في صفات البشر، واتجاهاتهم النفسية، يترتب عليه ـ لا محالة ـ اختلافهم في الحكم على الأشياء، والمواقف والأعمال، يظهر ذلك في مجال الفقه وفي مجال السياسة، وفي مجالات السلوك اليومي والعادي للناس.

من أبرز الأمثلة لهذا الاختلاف ما عرف واستفاض عن كل من الصحابيين العالمين الجليلين: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم جميعا.

فقد كان ابن عمر يبعد الأطفال عنه حتى لا يسيل شيء من لعابهم عليه، تحرزا مما يشتبه في نجاسته، وابن عباس يضمهم إليه، ويقول: إنما هم رياحين نشمها.

وكان ابن عمر يغسل باطن عينيه في الوضوء، ويرى أن لمس المرأة ينقض الوضوء، وابن عباس لا يرى ذلك.

وأزيد على هذا موقفهما من مناسك الحج، فقد كان ابن عمر يرى التحصيب (النزول بالمحصب) من سنن الحج، وابن عباس يقول: التحصيب ليس بسنة أي إن نزول الرسول صلى الله عليه وسلم فيه لم يكن مقصودا للتشريع والاتباع.

ومثل ذلك موقفهما من الحجر الأسود والمزاحمة عليه، فقد روى سعيد بن منصور عن القاسم بن محمد قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى. (أي يجرح ويسيل منه الدم).

وفي رواية أنه قيل له في ذلك، فقال: هوت الأفئدة إليه، فأريد أن يكون فؤادي معهم!

وفي مقابل هذا روى الفاكهي من عدة طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة، وقال: لا يؤذي ولا يؤذى.

وقبل ابن عمر وابن عباس، نجد موقف الشيخين: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقد كان لكل منهما اتجاهه، وطريقته في معالجة الأمور، فأبو بكر يمثل الرفق والرحمة، وعمر يمثل القوة والشدة، وهذا ينعكس على رأي كل منهما في المواقف والأحداث.

ومن أظهر الأمثلة لذلك ما كان منهما في شأن أسرى بدر.

يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم) (الأنفال: 67-69).

قال الإمام أحمد حدثنا علي بن عاصم عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم" فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم! فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس!" فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك. فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، قال: وأنزل الله عز وجل: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم). وقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك.

وقال الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيد عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟" فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، أنت في واد كثير الحطب، فاضرم الوادي عليهم نارا، ثم ألقهم فيه! قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليهم شيئا، ثم قام فدخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله ليلين قلوب رجال، حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام قال: (فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) (سورة إبراهيم: 36). وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى عليه السلام قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) (سورة المائدة: 118). وإن مثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) (سورة يونس: 88). وإن مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام فقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) (سورة نوح: 26). أنتم عالة فلا ينفكن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق.

إن طبائع الناس وأمزجتها تختلف من شخص لآخر، فتختلف لذلك مواقفها، حتى بين الأخوين الشقيقين، وأبرز مثال لذلك من الأنبياء موسى، وهارون، عليهما السلام ومن الصحابة الحسن والحسين رضي الله عنهما.





طبيعة الكون والحياة

وأما طبيعة الكون الذي نعيش فيه ـ أو بتعبير أدق: في جزء صغير منه ـ فقد خلقه ربه الأعلى سبحانه مختلف الأنواع والصور والألوان، اقرأ قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء) (سورة فاطر: 27،28).

ولكن هذا الاختلاف الذي نبه عليه القرآن، ليس اختلاف تضارب وتناقض، بل هو ـ كما نؤكد دائما ـ اختلاف تنوع وتلون، ولهذا تكررت في القرآن كلمة "مختلف ألوانه" في أكثر من سورة، وأكثر من مناسبة.

بل نجد القرآن الكريم ينفي بعبارة صريحة ما ينبئ عن التضارب أو التعارض في الكون، وذلك في قوله تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) (الملك: 3).

وكذلك طبيعة الحياة، فهي أيضا تختلف وتتغير، بحسب مؤثرات متعددة منها المكان والزمان.





الاختلاف رحمة

والاختلاف ـ مع كونه ضرورة ـ هو كذلك رحمة بالأمة، وتوسعة عليها، وقد روي في ذلك حديث اشتهر على الألسنة لا يعرف له سند، وإن كنت أرى أنه صحيح المعنى، وهو ما ذكره السيوطي في الجامع الصغير عنه صلى الله عليه وسلم: "اختلاف أمتي رحمة".

ويؤيد معنى هذا الحديث ما رواه الدارقطني وحسنه النووي في الأربعين: "إن الله تعالى حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعونها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها".

والأشياء المسكوت عنها تكون عادة من أسباب الاختلاف، لأنها تكون منطقة فراغ تشريعي، يحاول كل فقيه أن يملأها وفقا لأصوله، واتجاه مدرسته، فواحد يتجه إلى القياس، وآخر إلى الاستحسان، وثالث إلى الاستصلاح، ورابع إلى العرف، وغيره إلى البراءة الأصلية… وهكذا.

المهم أن الحديث يشير إلى أن السكوت عن النص على حكم معين في هذه المنطقة كان مقصودا، فلا يضل ربي ولا ينسى، وكان الهدف هو الرحمة والتيسير على الأمة.

وإذا كان في هذا الحديث بعض الضعف، من ناحية إسناده، فهناك حديث آخر في معناه يشهد له، وهو ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا"، ثم تلا: (وما كان ربك نسيا) (الآية 64 من سورة مريم).

فالعفو هنا في معنى الرحمة في الحديث السابق، وكلها تدل على قصد التوسعة والتيسير على هذه الأمة. وذلك يتمثل في أمرين:

1. ترك النص على بعض الأحكام، أو (السكوت عنها) بتعبير الحديث الشريف وترك ذلك للعقول المسلمة لتجتهد في فهمه في ضوء المنصوص على حكمه.

2. صياغة ما نص عليه من الأحكام ـ في غالب الأمر ـ صياغة مرنة بحيث تتسع لتعدد الأفهام، وتنوع الآراء والاجتهادات.

ولهذا اجتهد الصحابة واختلفوا في أمور جزئية كثيرة، ولم يضيقوا ذرعا بذلك.

بل نجد خليفة راشدا من أئمة الهدى ـ وهو عمر بن عبد العزيز ـ يرى بما أوتي من علم وبصيرة، في اختلاف الصحابة سعة ورحمة فيقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن لنا رخصة.

يعني أنهم باختلافهم أتاحوا لنا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم. كما أنهم سنوا لنا سنة الاختلاف في القضايا الاجتهادية، وظلوا معها أخوة متحابين.

ويروى ذلك عن القاسم بن محمد أيضا أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عهد التابعين بالمدينة، فقد سئل عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه، فقال: إن قرأت فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة.

وروى ابن عبد البر النمري بسنده إلى يحيى بن سعيد قال: ما برح أولو الفتوى يفتون، فيحل هذا، ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه.

وذلك أن الاجتهاد مشروع، واختلاف الرأي لازم، والشرع لم يحرم المجتهد المخطئ من الأجر، وكل يعمل بما ترجح له، وهذا هو معنى التوسعة والرحمة هنا. وليس معناه أن جميع الأقوال ـ وإن تناقضت ـ صواب، بل الصواب أحدهما، ولكن الجميع محمودون مأجورون، كما قال تعالى: (ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما) (الأنبياء: 79).

وقد استقر هذا المعنى واشتهر (أن الاختلاف توسعة ورحمة) عند المتقدمين والمتأخرين.

فالإمام الخطابي (ت 340هـ) ذكر حديث "اختلاف أمتي رحمة" مستطردا، وقال: اعترض على الحديث رجلان: أحدهما ماجن والآخر ملحد، وقالا جميعا: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابا! تم رد كلامهما.

ومن المتأخرين نجد من يؤلف كتابا يسميه (رحمة الأمة باختلاف الأئمة).

ويذكر العلامة الشيخ مرعي الحنبلي في تنوير بصائر المقلدين: أن اختلاف المذاهب في هذه الملة رحمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، فاختلافهما خصيصة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة.












الاختلاف المذموم

إذا كان الاختلاف في الفروع وبعض الأصول ضرورة، ورحمة وسعة ثروة ـ فما معنى ذم الاختلاف الذي ورد في النصوص الشرعية؟

والجواب: أن الاختلاف المذموم هو:

1. ما كان سببه البغي واتباع الهوى، وهو الذي ذم الله به اليهود والنصارى من أهل الكتاب وغيرهم، الذين دفعهم حب الدنيا، وحب الذات إلى الاختلاف رغم قيام الحجة ووضوح المحجة، قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين آتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) (البقرة: 213).

وقال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) (آل عمران: 19).

وقال: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة، ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين، وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) (الجاثية: 16-17).

2. الاختلاف الذي يؤدي إلى تفرق الكلمة وتعادي الأمة، وتنازع الطوائف، ويلبسها شيعا، ويذيق بعضها بأس بعض.

وهو ما حذر منهالقرآن الكريم، والسنة المطهرة، أشد التحذير.

يقول القرآن بعد الأمر بتقوى الله حق تقاته، والثبات على الإسلام إلى الممات: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) (آل عمران: 103).

وفي هذا السياق نفسه يحذر من التفرق كما تفرق الذين قبلنا، فيصيبنا ما أصابهم: (لولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) (آل عمران: 105).

وفي موقف آخر يقول: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا، إن الله مع الصابرين) (الأنفال: 46).

ويذم المشركين والمحرفين من أهل الكتاب الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا فيقول: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم من شيء) (الأنعام: 159).

ويقول في سورة أخرى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه، واتقوه، وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون) (الروم: 30-32).









اعتراض ورده

في أحد المؤتمرات الشبابية كنت أقرر هذه المعنى وأشرحه: معنى أن الاختلاف في الفروع والجزئيات رحمة، ولكن أحد المشاركين اعترض على ذلك بقوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم) (سورة: هود 118-119).

قلت له: النص القرآني الذي ذكرته حجة لي، لأنه بين أن الاختلاف واقع بمشيئة الله تعالى، المرتبطة بحكمته عز وجل، وهذا يدل على أنه أمر واقع، ماله من دافع، لأن مشيئة الله الكونية لا راد لها، وما شاء الله كان.

قال: ولكن النص استثنى من المختلفين من رحمهم الله تعالى، فدل على أن الاختلاف ينافي الرحمة.

قلت: هذا صحيح فيمن كان الاختلاف وصفا ثابتا لهم لا عرضا طارئا عليهم وهذا لا يكون إلا في الاختلاف في العقائد والأصول، كاختلاف اليهود والنصارى وأهل الملل والنحل، بعضهم مع بعض، واختلاف الفرق داخل كل ملة منهم، بحيث يكفر بعضهم بعضا.

أما الاختلاف في الفروع ونحوها مما ليس فيه نص قاطع ملزم، فلا مدخل له هنا.








المختلفون في الفروع من أهل الرحمة

على أن للإمام الشاطبي في كتابه (الاعتصام) تحقيقا نافعا في هذا الأمر وردا قويا على هذه الدعوى لخصته في حينه.

ويحسن بنا هنا أن نذكره من مصدره بلفظ الشاطبي. قال رضي الله عنه، بعد أن ذكر اختلاف أهل الملل السابقة، واتفاق أهل الحق من أمة الإسلام: "ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثاني، لا بالقصد الأول، فإن الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالا للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف فيها، لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف.
وقد نقل المفسرون عن الحسن في هذه الآية أنه قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافا يضرهم، يعني لأنه في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها يقطع العذر، بل لهم في أعظم العذر. ومع أن الشارع لما علم أن هذا النوع من الاختلاف واقع، أتى فيه بأصل يرجع إليه. وهو قول الله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) الآية.

فكل اختلاف من هذا القبيل حكم الله فيه أن يرد إلى الله، وذلك رده إلى كتابه، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك رده: إليه إذا كان حيا وإلى سنته بعد موته، وكذلك فعل العلماء رضي الله عنهم.

إلا أن لقائل أن يقول: هل هم داخلون تحت قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين) أم لا؟

والجواب: أنه لا يصح أن يدخل تحت مقتضاها أهل هذا الاختلاف من أوجه.

(أحدهما): أن الآية اقتضت أن أهل الاختلاف المذكورين مباينون لأهل الرحمة لقوله: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) فإنها اقتضت قسمين: أهل الاختلاف والمرحومين، فظاهر التقسيم أن أهل الرحمة ليسوا من أهل الاختلاف، وإلا كان قسم الشيء قسيما له، ولم يستقم معنى الاستثناء.

(والثاني): أنه قال فيها: ولا يزالون مختلفين، فظاهر هذا أن وصف الاختلاف لازم لهم، حتى أطلق عليهم لفظ اسم الفاعل المشعر بالثبوت، وأهل الرحمة مبرؤون من ذلك، لأن وصف الرحمة ينافي الثبوت على المخالفة، بل إن خالف أحدهم في مسألة فإنما يخالف فيها تحريا لقصد الشارع فيها، حتى إذا تبين له الخطأ فيها راجع نفسه، وتلافى أمره، فخلافه في المسألة بالعرض لا بالقصد الأول، فلم يكن وصف الاختلاف لازما ولا ثابتا، فكان التعبير عنه بالفعل الذي يقتضي العلاج والانقطاع أليق في الموضع.

(والثالث): أنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض الرحمة، وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان رضي الله عنهم، بحيث لا يصلح إدخالهم في قسم المختلفين بوجه، فلو كان المخالف منهم في بعض المسائل معدودا من أهل الاختلاف ـ ولو بوجه ما ـ لم يصح إطلاق القول في حقه: أنه من أهل الرحمة، وذلك باطل بإجماع أهل السنة.

(والرابع): أن الجماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربا من ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجا من قسم أهل الرحمة.

وبيان كون الاختلاف المذكور رحمة: ما روي عن القاسم بن محمد قال: لقد نفع الله باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في العمل، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، وعن ضمرة بن رجاء قال: اجتمع عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد فجعلا يتذاكران الحديث، قال: فجعل عمر يجئ بالشيء يخالف فيه القاسم، قال: وجعل القاسم يشق ذلك عليه حتى تبين فيه فقال له عمر: لا تفعل! فما يسرني باختلافهم حمر النعم. وروى ابن وهب عن القاسم أيضا قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختلفون، لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة.

ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه، لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، لأن مجال الاجتهاد ومجالات الظنون لا تتفق عادة ـ كما تقدم ـ فيصير أهل الاجتهاد مع تكليفهم باتباع ما غلب على ظنونهم مكلفين باتباع خلافه، وهو نوع من تكليف ما لا يطاق، وذلك من أعظم الضيق، فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة، للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في قسم "من رحم ربك؟!" فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها، والحمد لله".



الاختلاف ثروة

وعنصر آخر نضيفه هنا ـ إلى كون الاختلاف ضرورة من ناحية، ورحمة من ناحية أخرى ـ هو أن الاختلاف أيضا ثروة.

فإن اختلاف الآراء الاجتهادية يثري به الفقه، وينمو ويتسع، نظرا لأن كل رأي يستند إلى أدلة واعتبارات شرعية أفرزتها عقول كبيرة، تجتهد وتستنبط، وتقيس وتستحسن، وتوزن وترجح، وتؤصل، وتقعد القواعد، وتفرع عليها الفروع والمسائل.

وبهذا التعدد المختلف المشارب، المتنوع المسالك، تتسع الثروة الفقهية التشريعية، وتختلف ألوانها، من مدرسة الحديث والأثر، إلى مدرسة الرأي والنظر إلى مدرسة الوقوف عند الظواهر، إلى مدرسة الاعتدال أو الوسط، التي تأخذ من كل مدرسة أحسن ما لديها، متجنبة نقاط الضعف في كل مدرسة حسبما يهدي إليه اجتهادها، غير متحيزة لهذه أو تلك، ولا لهذا الإمام أو ذاك، ولا لهذا القول أو ضده.

وفي النهاية يصبح من وراء هذه المدارس والمشارب والمذاهب والأقوال، كنوز لا يقدر قدرها، وثروة لا يعرف قيمتها إلا أهل العلم والبحث.

وهو ما نوهت به المجامع والمؤتمرات العالمية في عصرنا، مثل مؤتمر (لاهاي) للقانون المقارن سنة 1936م. ومؤتمر باريس سنة 1951م.

وللمجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي قرار قوي في هذا المعنى اتخذه في دورته العاشرة المنعقدة في سنة 1408هـ بشأن موضوع الخلاف الفقهي بين المذاهب والتعصب المذهبي من بعض أتباعها، وهذا نصه:

"الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد:

فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 24 صفر 1408هـ الموافق 17 أكتوبر 1987م إلى يوم الأربعاء 28 صفر 1408هـ الموافق 21 أكتوبر 1987م قد نظر في موضوع الخلاف الفقهي بين المذاهب المتبعة، وفي التعصب الممقوت من بعض أتباع المذاهب لمذهبهم تعصبا يخرج عن حدود الاعتدال، ويصل بأصحابه إلى الطعن في المذاهب الأخرى وعلمائها، واستعرض المجلس المشكلات التي تقع في عقول الناشئة العصرية وتصوراتهم حول اختلاف المذاهب الذي لا يعرفون مبناه ومعناه، فيوحي إليهم المضللون بأنه مادام الشرع الإسلامي واحدا وأصوله من القرآن العظيم والسنة النبوية الثابتة متحدة أيضا، فلماذا اختلاف المذاهب؟ ولم لا توحد حتى يصبح المسلمون أمام مذهب واحد، وفهم واحد لأحكام الشريعة؟ كما استعرض المجلس أيضا أمر العصبية المذهبية والمشكلات التي تنشأ عنها، ولا سيما بين أتباع بعض الاتجاهات الحديثة اليوم في عصرنا هذا، حيث يدعو أصحابها إلى خط اجتهادي جديد، ويطعنون في المذاهب القائمة التي تلقتها الأمة بالقبول من أقدم العصور الإسلامية، ويطعنون في أئمتها أو بعضهم ضلالا، ويوقعون الفتنة بين الناس.

وبعد المداولة في هذا الموضوع ووقائعه وملابساته ونتائجه في التضليل والفتنة قرر المجمع الفقهي توجيه البيان التالي إلى كلا الفريقين المضللين والمتعصبين تنبيها وتبصيرا:

أولا: حول اختلاف المذاهب:

إن اختلاف المذاهب الفكرية القائم في البلاد الإسلامية نوعان:

أ. اختلاف في المذاهب الاعتقادية.

ب. واختلاف في المذاهب الفقهية.

فأما الأول: وهو الاختلاف الاعتقادي، فهو في الواقع مصيبة جرت إلى كوارث في البلاد الإسلامية، وشقت صفوف المسلمين، وفرقت كلمتهم، وهي مما يؤسف له ويجب أن لا يكون، وأن تجتمع الأمة على مذهب أهل السنة والجماعة الذي يمثل الفكر الإسلامي السليم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعهد الخلافة الراشدة التي أعلن الرسول أنها امتداد لسنته بقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ".

وأما الثاني: وهو اختلاف المذاهب الفقهية في بعض المسائل فله أسباب علمية اقتضته ولله سبحانه في ذلك حكمة بالغة، ومنها: الرحمة بعباده، وتوسيع مجال استنباط الأحكام من النصوص، ثم هي بعد ذلك نعمة وثروة فقهية تشريعية تجعل الأمة الإسلامية في سعة من أمر دينها وشريعتها، فلا تنحصر في تطبيق شرعي واحد حصرا لا مناص لها منه إلى غيره، بل إذا ضاق بالأمة مذهب أحد الأئمة الفقهاء في وقت ما، أو في أمر ما، وجدت في المذهب الآخر سعة ورفقا ويسرا، سواء أكان ذلك في شؤون العبادة أم في المعاملات وشؤون الأسرة والقضاء والجنايات على ضوء الأدلة الشرعية.

فهذا النوع الثاني من اختلاف المذاهب، وهو الاختلاف الفقهي، ليس نقيصة ولا تناقضا في ديننا، ولا يمكن أن لا يكون، فلا يوجد أمة فيها نظام تشريعي كامل بفقهه واجتهاده ليس فيها هذا الاختلاف الفقهي الاجتهادي.

فالواقع أن هذا الاختلاف لا يمكن أن يكون، لأن النصوص الأصلية كثيرا ما تحتمل أكثر من معنى واحد، كما أن النص لا يمكن أن يستوعب جميع الوقائع المحتملة لأن النصوص محدودة والوقائع غير محدودة كما قال جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى، فلا بد من اللجوء إلى القياس والنظر إلى علل الأحكام وغرض الشارع والمقاصد العامة للشريعة، وتحكيمها في الواقع والنوازل المستجدة، وفي هذا تختلف فهوم العلماء وترجيحاتهم بين الاحتمالات، فتختلف أحكامهم في الموضوع الواحد وكل منهم يقصد الحق ويبحث عنه، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد ومن هنا تنشأ السعة ويزول الحرج.

فأين النقيصة في وجود هذا الاختلاف المذهبي الذي أوضحنا ما فيه من الخير والرحمة وأنه في الواقع نعمة ورحمة من الله بعباده المؤمنين، وهو في الوقت ذاته ثروة تشريعية عظمى ومزية جديرة بأن تتباهى بها الأمة الإسلامية، ولكن المضللين من الأجانب الذين يستغلون ضعف الثقافة الإسلامية لدى بعض الشباب المسلم ولا سيما الذين يدرسون لديهم في الخارج فيصورون لهم اختلاف المذاهب الفقهية هذا كما لو كان اختلافا اعتقاديا ليوحوا إليهم ظلما وزورا بأنه يدل على تناقض الشريعة دون أن ينتبهوا إلى الفرق بين النوعين، وشتان ما بينهما.

ثانيا: وأما تلك الفئة الأخرى التي تدعو إلى نبذ المذاهب:

وتريد أن تحمل الناس على خط اجتهادي جديد لها وتطعن في المذاهب الفقهية القائمة وفي أئمتها أو بعضهم، ففي بياننا الآنف عن المذاهب الفقهية ومزايا وجودها وأئمتها ما يوجب عليهم أن يكفوا عن هذا الأسلوب البغيض الذي ينتهجونه، ويضللون به الناس ويشقون صفوفهم، ويفرقون كلمتهم، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى جمع الكلمة في مواجهة التحديات الخطيرة من أعداء الإسلام، بدلا من هذه الدعوة المفرقة التي لا حاجة إليها.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين".






 
رد مع اقتباس
قديم 18-11-2007, 09:54 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
إبراهيم العبّادي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم العبّادي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم العبّادي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم العبّادي

افتراضي مشاركة: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

وجود الخلاف في خير قرون الأمة

لقد كان الخلاف موجودا في عصر الأئمة المتبوعين الكبار: أبي حنيفة ومالك والشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم، ولم يروا فيه شرا، ولم يحاول أحد منهم أن يحمل الآخرين على رأيه بالعنف أو يتهمهم في علمهم أو دينهم من أجل مخالفتهم له.

بل قيل للإمام أحمد، وكان يرى نقض الوضوء من الرعاف وسيلان الدم الكثير: هل تصلي خلف من خرج منه الدم ولم يتوضأ؟ فأجاب مستنكرا: كيف لا أصلي خلف مالك، وسعيد بن المسيب؟! (وكانا لا يريان النقض بذلك).

وقبل الإمام أحمد سجل للإمام مالك موقفه التاريخي بعد ما ألف كتابه الشهير (الموطأ) بتكليف من الخليفة العباسي، أبي جعفر المنصور، فقد أراد أن يحمل الناس على ما فيه من آراء وأحكام بسلطان الدولة، وبعبارة أخرى: أراد أن يجعل منه قانونا عاما لدولة الخلافة، يلتزم به الكافة وتلغي الآراء والاجتهادات الأخرى قالوا: "لما حج المنصور قال لمالك: قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي صنفتها فتنسخ ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة آمرهم بأن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره، فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وأتوا به من اختلاف الناس فدع الناس، وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم". ويحكى نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد، وأنه شاور مالكا في أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه فقال: لا تفعل فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل سنة مضت قال: وفقك الله يا أبا عبد الله! حكاه السيوطي.

بل كان الخلاف موجودا في عصر شيوخ الأئمة وشيوخ شيوخهم من التابعين الكبار والصغار من تلاميذ الصحابة رضي الله عنهم.

بل كان الخلاف موجودا في عصر الصحابة، نظرا لاختلاف أفهامهم وتفسيرهم للنصوص، أو لاتجاهاتهم النفسية في التشديد والتخفيف، كما ذكرنا ما كان بين ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم من اختلاف في الاتجاه.

بل أقول: إن الخلاف وجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأقره ولم ينكره كما في قضية صلاة العصر، في بني قريظة، وهي مشهورة، وفي غيرها من القضايا.

يقول حكيم الإسلام الدهلوي في (الحجة البالغة):

إن أكثر صور الاختلاف بين الفقهاء لا سيما في المسائل التي ظهر فيها أقوال الصحابة في الجانبين كتكبيرات التشريق، وتكبيرات العيدين، ونكاح المحرم، وتشهد ابن عباس وابن مسعود، والإخفاء بالبسملة وبآمين والإشفاع والإيتار في الإقامة ونحو ذلك إنما هو في ترجيح أحد القولين، وكان السلف لا يختلفون في أصل المشروعية، وإنما كان خلافهم في أولى الأمرين، ونظيره اختلاف القراء في وجوه وقد عللوا كثيرا من هذا الباب بأن الصحابة مختلفون، وأنهم جميعا على الهدى.

ولذلك لم يزل العلماء يجوزون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية ويسلمون قضاء القضاة، ويعملون في بعض الأحيان بخلاف مذهبهم، ولا ترى أئمة المذاهب في هذه المواضع إلا وهم يضجعون القول ويبينون الخلاف، يقول أحدهم: هذا أحوط، وهذا هو المختار، وهذا أحب إلي، ويقول: ما بلغنا إلا ذلك، وهذا كثير في المبسوط، وآثار محمد رحمه الله، وكلام الشافعي رحمه الله.

ثم خلف من بعدهم خلف اختصروا كلام القوم، فقووا الخلاف، وثبتوا على مختار أئمتهم.

والذي يروي عن السلف من تأكيد الأخذ بمذهب أصحابهم وأن لا يخرج منها بحال فإن ذلك إما لأمر جبلي، فإن كل إنسان يحب ما هو مختار أصحابه وقومه، حتى في الزي والمطاعم، أو لصولة ناشئة من ملاحظة الدليل، أو لنحو ذلك من الأسباب، فظنه البعض تعصبا دينيا حاشاهم من ذلك.

وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة، ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من لا يجهر بها.

وكان منهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت في الفجر، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك. ومنهم من يتوضأ من مس الذكر، ومس النساء بشهوة، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك.

ومنهم من يتوضأ مما مسته النار، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك.

ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة أو أصحابه والشافعي وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية، وغيرهم، وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سرا ولا جهرا.

وصلى الرشيد إماما، وقد احتجم، فصلى الإمام أبو يوسف خلفه، ولم يعد، وكان أفتاه الإمام بأنه لا وضوء عليه.

وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب؟

روي أن أبا يوسف ومحمدا كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس، لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده.

وصلى الشافعي رحمه الله الصبح قريبا من أبي حنيفة رحمه الله، فلم يقنت تأدبا معه. وقال أيضا: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق.

وقال مالك رحمه الله للمنصور أو هارون الرشيد ما ذكرنا عنه سابقا.

وفي البزازية عن الإمام الثاني ـ وهو أبو يوسف رحمه الله ـ أنه صلى يوم الجمعة مغتسلا من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا، ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: إذا نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" أهـ.

وسئل الإمام الخجندي رحمه الله عن رجل شافعي المذهب ترك صلاة سنة أو سنتين، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة رحمه الله، كيف يجب عليه القضاء، أيقضيها على مذهب الشافعي أو على مذهب أبي حنيفة؟ فقال: على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها جاز. انتهى.

وفي جامع الفتاوى أنه إن قال حنفي: إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثا، ثم استفتى شافعيا فأجاب: أنها لا تطلق، ويمينه باطل فلا بأس بالاقتداء بالشافعي في هذه المسألة، لأن كثيرا من الصحابة في جانبه.

قال محمد رحمه الله في أماليه: لو أن فقيها قال لامرأته: أنت طالق البتة وهو ممن يراها ثلاثا، ثم قضى عليه قاض بأنها رجعية، وسعة المقام معها، وكذا كل فصل مما يختلف فيه الفقهاء من تحريم أو تحليل أو اعتاق أو أخذ مال أو غيره، ينبغي للفقيه المقضي عليه الأخذ بقضاء القاضي، ويدع رأيه، ويلزم نفسه ما ألزم القاضي، ويأخذ ما أعطاه.

قال محمد رحمه الله: وكذلك رجل لا علم له، ابتلي ببلية فسأل عنها الفقهاء فأفتوه فيها بحلال أو بحرام، وقضى عليه قاضي المسلمين بخلاف ذلك، وهي مما يختلف فيه الفقهاء، فينبغي له أن يأخذ بقضاء القاضي ويدع ما أفتاه الفقهاء، انتهى.


بل وجد الخلاف بين الملائكة والأنبياء

وقد ذكر لنا القرآن الكريم أن الملائكة قد اختلفوا بل اختصموا بينهم وذلك بقوله تعالى: (ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون) (سورة ص: 69).

وإن الأنبياء قد اختلفوا فيما بينهم أيضا.

اختلف موسى وأخوه هارون، عليهما السلام، إلى حد أن أخذ موسى بلحية أخيه، ولامه أشد اللوم بعد عبادة بني إسرائيل العجل السامري قال: (يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا. ألا تتبعن، أفعصيت أمري؟ قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي) (سورة طه: 92-94) وفي سورة أخرى قال له: (فلا تشمت بي الأعداء) (الأعراف: 150).

واختلف موسى والخضر عليهما السلام في مواقف ثلاثة انتهت بافتراقهما قال: (هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) وهو ما فصلته سورة الكهف.

واختلف داود وابنه سليمان عليهما السلام في حكم الغنم إذ نفشت في زرع القوم، وأشار القرآن إلى أن الصواب كان مع الابن، ولكنه أثنى على الاثنين جميعا فقال: (ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما) (سورة الأنبياء: 79).

وصح في الحديث اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في مصير الرجل الذي قتل مئة نفس، ثم خرج تائبا إلى القرية الصالحة ومات في الطريق، أيحكم له بحكم القرية الظالمة التي عاش عمره فيها وقتل من قتل، أم يحكم له بحكم القرية الخيرة التي كانت وجهته إليها، وبعبارة أخرى: أيحكم له بعمله أم بنيته؟ بالأول حكم ملائكة العذاب، وبالثاني حكم ملائكة الرحمة، وقد بعث الله ملكا يحكم بينهم، فحكم لملائكة الرحمة.

وثبت في الحديث كذلك محاجة آدم وموسى حول سبب الخروج من الجنة والهبوط إلى الأرض، والاستقرار فيها، وهل كان أكل آدم من الشجرة سبب ذلك أو لا؟ وأن آدم حج موسى.

وثبت في الحديث أيضا اختلاف داود وسليمان في شأن المرأتين اللتين اختصمتا في طفل تدعي كل منهما أنه ابنها، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة: "كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان ابن داود فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما! فقالت الصغرى: لا تفعل، يرحمك الله! هو ابنها. فقضى به للصغرى".

وإذا كان الخلاف والاختصام قد وقع بين أكرم الخلق على الله من الملائكة الكرام والأنبياء العظام، لاختلاف زوايا الرؤية، ووجهات النظر، واتساع العلم وضيقه، فكيف نطمع أن نمحو الخلاف بين غيرهم ممن لا عصمة لهم، وليس فيهم ملك مقرب ولا نبي مكرم؟

ورحم الله من قال:

تسل عن الوفاق، فربنا قد حكى بين الملائكة الخصاما!

كذا الخضر المكرم، والوجيه المكلم، إذا ألم به لماما

تكدر صفو جمعهما مرارا وعجل صاحب السر الصراما

ففارقه الكليم كليم قلب وقد ثنى على الخضر الملاما

فدل على اتساع الأمر فيما الكرام فيه خالفت الكراما

وما سبب الخلاف سوى اتساع المعلوم هناك نقصا أو تماما






 
رد مع اقتباس
قديم 19-11-2007, 08:11 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
إبراهيم العبّادي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم العبّادي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم العبّادي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم العبّادي

افتراضي مشاركة: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

تابع لباب ( الدعائم الفكرية في فقه الاختلاف )


اتباع المنهج الوسط وترك التنطع في الدين



ومما ينبغي الحرص عليه لتوحيد صف الداعين إلى الإسلام، أو ـ على الأقل ـ تقريب الشقة، وإزالة الجفوة، بينهم: اتباع المنهج الوسط، الذي يتجلى فيه التوازن والاعتدال، بعيدا عن طرفي الغلو والتفريط، فهذه الأمة أمة وسط في كل شيء، ودين الله ـ كما أثر عن السلف ـ بين الغالي فيه والجافي عنه.

ومن كلمات الإمام علي رضي الله عنه: عليكم بالنمط الأوسط، يلحق به التالي، ويرجع إليه الغالي.

فالوسط هو مركز الدائرة التي ترجع إليه الأطراف المتباعدة عن يمين وشمال.

وهو يمثل الصراط المستقيم، الذي علمنا الله تعالى أن نسأله الهداية إليه كلما قرأنا فاتحة الكتاب في صلواتنا اليومية أو خارجها (اهدنا الصراط المستقيم).

وهو الذي جاء فيه قوله تعالى: (وهذا صراط ربك مستقيما) (سورة الأنعام: 126).

وهو الذي أوصانا الله تعالى أن نتبعه فتتوحد كلمتنا، ولا نتبع السبل والمناهج التي يدعو إليها شياطين الإنس والجن، مما صدر عن الغرب أو الشرق ومال إلى اليمين أو اليسار، قال تعالى في ختام الوصايا العشر من سورة الأنعام: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) (سورة الأنعام: 153).

روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما. ثم خط بيمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل). فالصراط المستقيم، هو الخط الوسط بين الخطوط الأخرى عن اليمين وعن الشمال.

وقد جاء في حديث آخر رواه أحمد وابن ماجه عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم وضع يده في (الخط الوسط) ثم تلا الآية.

ذكر العلامة ابن كثير عن ابن عباس في قوله تعالى: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) وفي قوله: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) (سورة الشورى: 13).

ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله.

قال: ونحو هذا قاله مجاهد وغير واحد.

هلك المتنطعون؟

ومما يلزم مما ذكرناه من اتباع المنهج الوسط، ويعتبر أيضا من أهم أسباب الوفاق والتقارب بين العاملين للإسلام: تجنب التنطع في الدين، وهو ما أنذر النبي أصحابه بالهلاك، فيما رواه عنه ابن مسعود رضي الله عنه قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا، سواء كان القول إخبارا عن هلاكهم أم دعاء عليهم.

والمتنطعون ـ كما قال الإمام النووي ـ المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

وقال ابن الأثير: المتعمقون المغالون، في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم ـ مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى من الفم ـ ثم استعمل في كل تعمق قولا أو فعلا.

ومنه حديث عمر: "لن تزالوا بخير ما عجلتم الفطر، ولم تنطعوا تنطع أهل العراق" أي تتكلفوا القول والعمل.

ومنه حديث ابن مسعود: "إياكم والتنطع والاختلاف…" أراد النهي عن الملاحاة في القراءات المختلفة، وأن مرجعها كلها إلى وجه واحد من الصواب.

وقال غيره: المراد بالمتنطعين: الغالون في عبادتهم بحيث يخرج عن قوانين الشريعة، ويسترسل مع الشيطان في الوسوسة.

وقيل: المتعنتون في السؤال عن عويص المسائل التي يندر وقوعها.

ومنه: الإكثار من التقريع على مسألة لا أصل لها في كتاب ولا سنة، ولا إجماع، وهي نادرة الوقوع، فيصرف فيها زمنا كان صرفه في غيرها أولى سيما إن لزم منه إغفاله التوسع في بيان ما يكثر وقوعه.

وأشد منه: البحث عن أمور معينة، ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، ومنه ما لا يكون له شاهد في عالم الحس كالسؤال عن الساعة، والروح ومدة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك، مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف.

وأكثر من ذلك لم يثبت فيه شيء فيجب الإيمان به بغير بحث.

وقال بعضهم: مثال التنطع إكثار السؤال حتى يفضي بالمسئول الجواب بالمنع، بعد أن يفتي بالإذن.

وكل هذا من الحرج الذي نفاه الله عن هذا الدين القائم على التيسير لا التعسير والتبشير لا التنفير.

وروى ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين".

ولا ريب أن التنطع والتعمق والغلو في الدين يدفع إلى التشديد في الأمور الصغيرة، والضيق بكل مخالف فيها، على حين تكون السماحة واليسر من أسباب التقارب والوفاق.

تيسير الصحابة والسلف وإنكارهم على المتنطعين:

وهذه الروح هي التي جعلت الصحابة ومن تبعهم بإحسان يتسامحون في الفروع الجزئية، ولا تضيق صدورهم بالخلاف فيها.

بل كانوا ينكرون على من يجعل البحث عن هذه الأمور شغله الشاغل، ولا يرحبون بهذا النوع من السؤال، الذي لا يأتي من ورائه إلا التشديد.

والقرآن نفسه نبه على هذا الأصل حين قال: (يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم) (سورة المائدة: 101).

والنبي صلى الله عليه وسلم يحذر من كثرة الأسئلة التي تنتهي بالتشديد على المسلمين، وذلك حين يقول: "إن أعظم المسلمين جرما رجل سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته".

وقال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".

وهو يشير هنا إلى بني إسرائيل وتنطعهم مع موسى في قصة ذبح البقرة وسؤالهم مرة بعد مرة: ما هي؟ ما لونها؟ ما هي؟ ولو ذهبوا بعد الأمر الأول إلى أي بقرة فذبحوها لأجزأتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم.

وروى أنس قال: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أحفوه المسألة (أي استقصوا في السؤال) فغضب، فصعد المنبر، فقال: "لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم"، قال: فجعلت انظر يمينا وشمالا، فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي.. ثم انشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، نعوذ بالله من الفتن.

وكان هذا درسا بليغا جعل الصحابة بعد ذلك لا يسألون إلا فيما لا بد لهم منه، ولا يكثرون السؤال فيما لا حاجة لهم إليه.

ويبدو هذا مما سجله لهم القرآن من الأسئلة التي وجهوها إلى النبي الكريم، فلم تزد على ثلاثة عشر سؤالا، يتعلق معظمها بأمور عملية.

وكذلك كانت أجوبتهم لمن سألهم، فهم ييسرون ولا يعسرون، ويبشرون ولا ينفرون، كما أمرهم رسولهم العظيم صلى الله عليه وسلم.

والمنهج العام للصحابة رضي الله عنهم هو التسهيل، والمسامحة في فروع المسائل، والبعد عن التعمق والتدقيق فيها، حتى لا يخرجوا من اليسر إلى العسر، ومن السعة إلى الحرج، وهو منفي في دين الله، كما قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (سورة الحج: 78).

روى البخاري بسنده إلى يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك! وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك. قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف (يعني غير مرتب) قالت: وما يضرك أية قرأت قبل!

قال الحافظ في "الفتح": لعل هذا العراقي كان يسمع حديث سمرة المرفوع: "لبسوا من ثيابكم البياض، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها أطهر وأطيب".. وهو عند الترمذي مصححا، وأخرجه أيضا عن ابن عباس ـ فلعل العراقي سمعه، فأراد أن يستثبت عائشة في ذلك، وكان أهل العراق اشتهروا بالتعنت في السؤال، فلهذا قالت له عائشة: وما يضرك؟! تعني: أي كفن كفنت فيه أجزأ. وقول ابن عمر للذي سأله عن دم البعوض مشهور، حيث قال: انظروا إلى أهل العراق، يسألون عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما طلبه مصحف أم المؤمنين ليرتب القرآن، أو يؤلفه ـ على حد تعبيره ـ على أساسه، فيظهر أن سؤاله عن ترتيب السور، وأن مصحفه لم يكن مرتبا وفق المصحف العثماني، بل ربما كان مرتبا على وفق مصحف ابن مسعود، وكان تأليفه مغايرا لتأليف مصحف عثمان، ولم تر عائشة في هذا الأمر خطرا كبيرا، بل قالت له: وما يضرك أية قرأت قبل؟.

وقد بين العلامة الدهلوي في كتابه القيم (حجة الله البالغة) ما كان عليه الحال في عصر النبوة والصحابة من السهولة واليسر، في فهم الدين والعمل به، وبعدهم عن التعمق والتعقيد والتشديد، بخلاف ما صار إليه من بعدهم قال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتوضأ فيرى الصحابة وضوءه فيأخذون به من غير أن يبين أن هذا ركن وذلك أدب، وكان يصلي فيرون كما رأوه يصلي، وحج فرمق الناس حجه ففعلوا كما فعل، فهذا كان غالب حاله صلى الله عليه وسلم ولم يبين أن فروض الوضوء ستة أو أربعة، ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير موالاة، حتى يحكم عليه بالصحة أو الفساد، إلا ما شاء الله، وقلما كانوا يسألونه عن هذه الأشياء.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن، منهن (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير) (ويسألونك عن المحيض) قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم.

وقال ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن.

وقال القاسم: إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها وتنقرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها. تسألون عن أشياء ما أدري ما هي ولو علمناها ما حل لنا أن نكتمها.

وعن عمر بن اسحاق قال: لمن أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ممن سبقني منهم فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا منهم.

وعن عبادة بن نسي الكندي، وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي، فقال: أدركت أقواما ما كانوا يشددون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم. أخرج هذه الآثار الدارمي.




التركيز على المحكمات لا المتشابهات



ومما يعين على الاجتماع والائتلاف، ويبعد عن الفرقة والاختلاف: التركيز على اتباع (المحكمات)، وهن أم الكتاب، ومعظمه، كما ذكر القرآن الكريم، وعدم الركض وراء (المتشابهات).

فاتباع المحكمات، واتخاذها الأصل والقاعدة في التفكير والسلوك من شأن الراسخين في العلم، واتباع المتشابهات من شأن الذين في قلوبهم زيغ ودغل.

وفيه قال الله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات، فإما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به، كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولو الألباب) (سورة آل عمران: 7).

وقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: (هو الذي أنزل عليك الكتاب..) الآية ثم قال: (فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذرهم).

وإذا تركت المحكمات فتح الباب للمراء والاختصام، ولا سيما في المسائل الدقيقة، التي حيرت العقول قديما وحديثا، ولا تزال إلى اليوم.

ومن ثم اشتد نكير النبي صلى الله عليه وسلم على من يضرب القرآن بعضه ببعض ولا يرد متشابهه إلى محكمه.

عن عبد الله بن عمرو قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: أبهذا أمرتم؟ أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض! بهذا هلكت الأمم قبلكم!".

ومعنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم من شدة غضبه احمر وجهه احمرار يشبه فقئ حب الرمان الأحمر في الوجه.

وقوله للصحابة: "أبهذا أمرتم أو لهذا خلقتم" ينكر عليهم أن ينفقوا جهودهم وأوقاتهم في هذا البحث الذي لا طائل تحته، ولا ثمرة من ورائه فما أمرهم الله بهذا، ولا خلقهم لهذا، إنما خلقهم وخلق العالم من حولهم ليبلوهم: أيهم أحسن عملا.

وأبرز ما أنكره عليهم النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم يضربون القرآن بعضه ببعض، وقد أنزل الله كتابه ليصدق بعضه بعضا، (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (سورة النساء: 82).

وهذا يحدث غالبا من اتباع المتشابهات، التي تختلف دلالاتها، وتتعارض ظواهرها، دون أن ترد إلى المحكمات البينات، التي إذا تدبرها المنصف حسمت النزاع.

وهذا ما يبدو من اتجاه هذا المجلس الذي ثار فيه الجدل بين الصحابة حول موضوع من أدق المواضيع وأغمضها، وهو: القدر.






 
رد مع اقتباس
قديم 20-11-2007, 09:45 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
إبراهيم العبّادي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم العبّادي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم العبّادي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم العبّادي

افتراضي مشاركة: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

تجنب القطع والإنكار في المسائل الاجتهادية



ومما يقرب المسافة بين الداعين إلى الإسلام في الأمور الخلافية: تجنب القطع في المسائل الاجتهادية، التي تحتمل وجهين أو رأيين أو أكثر، وكذلك تجنب الإنكار فيها على الآخرين. ولهذا قرر علماؤنا: أنه لا إنكار من أحد على أحد في المسائل الاجتهادية، فالمجتهد لا ينكر على مجتهد مثله، والمقلد لا ينكر على مقلد مثله كذلك، بله أن ينكر على مجتهد.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن يقلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد: فهل ينكر عليه أم يهجر؟ وكذلك من يعمل بأحد القولين؟

فأجاب: الحمد لله. مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان: فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، والله أعلم.

وسئل في مقام آخر رحمه الله: عمن ولي أمرا من أمور المسلمين، ومذهبه لا يجوز "شركة الأبدان" فهل يجوز له منع الناس من العمل بها؟

فأجاب: ليس له منع الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد وليس معه بالمنع نص من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك. لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار.

وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل.

ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على "موطئه" في مثل هذه المسائل منعه من ذلك. وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم. وصنف رجل كتابا في الاختلاف، فقال أحمد: لا تسمه (كتاب الاختلاف) ولكن سمه (كتاب السنة).

ولهذا كان بعض العلماء يقول: اجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم إذا أجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا. وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة. وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.

ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه. ونظائر هذه المسائل كثيرة، مثل تنازع الناس في بيع الباقلا الأخضر في قشريه وفي بيع المقاثي جملة واحدة، وبيع المعاطاة والسلم الحال، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم تغيره. والتوضؤ من مس الذكر، والنساء، وخروج النجاسات من غير السبيلين، والقهقهة، وترك الوضوء من ذلك والقراءة بالبسملة سرا، أو جهرا، وترك ذلك، وتنجيس بول ما يوكل لحمه وروثه، أو القول بطهارة ذلك، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة، وترك ذلك والتيمم بضربة أو ضربتين إلى الكوعين، أو المرفقين، والتيمم لكل صلاة أو لوقت كل صلاة، أو الاكتفاء بتيمم واحد، وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، أو المنع من قبول شهادتهم.

وهذا هو موقف الصحابة من القضايا الاجتهادية التي تقبل أكثر من فهم، وأكثر من تفسير:

روي أن عمر رضي الله عنه قضى في المسألة المعروفة باسم (المسألة الحجرية) في الميراث بعدم التشريك بين الأخوة الأشقاء والأخوة الأم، ثم رفعت إليه مرة أخرى، فقضى فيها بالتشريك، فقيل له: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا‍! فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم.

وبهذا فسر ابن القيم قول عمر في كتابه إلى أبي موسى الأشعري "ولا يمنعك قضاء قضيت به اليوم، فراجعت فيه رأيك، وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".

وروي أن عمر لقي رجلا فقال: ما صنعت ـ يعني في مسألة كانت معروضة للفصل فيها ـ فقال الرجل: قضى علي وزيد بكذا.. فقال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا.. قال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله، أو إلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردك إلى رأي، والرأي المشترك.



ضرورة الاطلاع على اختلاف العلماء



ومما يساعد على التسامح وتبادل العذر فيما اختلف فيه: الاطلاع على اختلاف العلماء، ليعرف منه تعدد المذاهب، وتنوع المآخذ والمشارب، وأن لكل منهم وجهته، وأدلته التي يستند إليها، ويعول عليها، وكلهم يغترف من بحر الشريعة، وما أوسعه.

ومن أجل ذلك أكد علماؤنا فيما أكدوه، وجوب العلم باختلاف الفقهاء، كوجوب العلم بما أجمعوا عليه، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة.

وفي هذا قالوا: من لم يعرف اختلاف العلماء، فليس بعالم.

من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم تشم أنفه رائحة الفقه!

وآفة كثير من الدخلاء على العلم أنهم لا يعرفون إلا رأيا واحدا، ووجهة واحدة أخذوا من شيخ واحد، أو انحصروا في مدرسة واحدة، ولم يتيحوا لأنفسهم أن يسمعوا رأيا آخر، أو يناقشوا وجهة نظر مخالفة، أو يحيلوا أنظارهم في أفكار المدارس الأخرى.

والعجيب في أمر هؤلاء أنهم ينهون عن التقليد، وهم في الواقع مقلدون، رفضوا تقليد الأئمة القدامى، وقلدوا بعض المعاصرين.

وأنهم ينكرون المذاهب وقد جعلوا من آرائهم مذهبا خامسا، يقاتلون دونه وينكرون على من خالفه!

وأنهم ينكرون علم الكلام القديم وما فيه من جدليات وتزيدات، وقد أنشئوا بأقاويلهم علم كلام جديد، لا يهتم بغرس اليقين في القلوب، بقدر ما يغرس في العقول حب الجدل في أمور العقيدة.

إن موقف هؤلاء من الحقيقة موقف العميان من الفيل، في القصة الهندية المشهورة فهم لا يعرفون إلا ما وقعت عليه أيديهم.

ولو وسعوا آفاقهم لعرفوا أن الأمر يتسع لأكثر من رأي، وأن الآراء المتعددة يمكن أن تتعايش، وإن اختلفت وتعارضت. المهم هو الإنصاف وترك التعصب، والاستماع إلى الآخرين، فقد يكونون أصوب قولا، وأصح فهما.

وكم من دارس منصف رجع عن تعصبه وغلوائه، حين عرف أن في المسائل أقوالا عدة لعلماء معتبرين.

خذ مثلا قضية رمي الجمار في الحج، وما قاله بعضهم من أن من رمى قبل الزوال فحجة باطل! لأنه خالف السنة.

قال جابر: رمى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال.

وعن وبرة قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى أمامك فارمه.. فأعدت عليه المسألة، قال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا.

قال في (الفتح): وفيه دليل على أن السنة يرمي الجمار ـ في غير يوم الأضحى ـ بعد الزوال. وبه قال الجمهور.

وخالف فيه عطاء وطاووس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقا. ورخص الحنفية في الرمي قبل الزوال في يوم النفر، أي يوم النزول من منى، وكذلك روي عن إسحاق.

وهذه هي المسألة التي اختلف فيها الشيخ عبد الله بن زيد المحمود مع علماء الرياض منذ أكثر من ثلاثين عاما. وكتب فيها رسالة (يسر الإسلام)، واشتد المشايخ هناك في الرد عليه، مع أن جواب ابن عمر لمن سأله ـ رغم تشدده في الاتباع ـ يدل على سهولة الأمر عنده، وحسب المسلم في ذلك أن يتبع أمير الحجيج، قدم أو أخر.

وقد اختلف الفقهاء في حكم الرمي نفسه، كما في (الفتح).

فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم.

وعند المالكية: أنه سنة مؤكدة.

وعندهم رواية: أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه.

ومقابله: قول بعضهم: إنما شرع الرمي حفظا للتكبير، فإن تركه وكبر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها.

ويقول بعض الأخوة: إن الرأي الذي ينفرد به فقيه أو اثنان خلافا لجمهور الأمة، يجب أن لا يعتد به ولا يعول عليه.

وقال غيرهم: إن ما خالف المذاهب الأربعة التي تلقتها الأمة، بالقبول، يجب أن يرفض ولا يقام له اعتبار.

والحق أن هذا كله لا يقو عليه دليل من كتاب أو سنة.

فالإجماع الذي هو حجة ـ على ما قيل فيه ـ هو اتفاق جميع المجتهدين على حكم شرعي، ولم يقل أحد: إنه اتفاق الأكثرية، أو الجمهور فالأمر ليس أمر تصويت بالعدد.

صحيح أن لرأي الجمهور وزنا يجعلنا نمعن النظر فيما خالفه، ولا نخرج عنه إلا لاعتبارات أقوى منه، ولكنه ليس معصوما على كل حال.

وكم من صحابي انفرد عن سائر الصحابة برأي لم يوافق عليه سائرهم، ولا يضره ذلك.

وكم من فقهاء التابعين من كان له رأي خالفه آراء الآخرين. ولم يسقط ذلك قوله. فالمدار على الحجة لا على الكثرة.

وكم من الأئمة الأربعة من انفرد عن الثلاثة بآراء وأقوال، مضى عليها اتباع مذهبه، مؤيدين ومصححين.

ومذهب أحمد بن حنبل ـ وهو مذهب المشهور باتباع الأثر ـ قد عرف بـ (مفرداته) التي نظمها من نظم، وألف فيها من ألف، وغدا من المألوف أن يقرأ الباحث فيه هذه العبارة: وهذا من مفردات المذهب.

والمذاهب الأربعة ـ على مالها من اعتبار وتقدير لدى جمهور الأمة ـ ليست حجة في دين الله، إنما الحجة ما تستند إليه من أدلة شرعية، منقولة أو معقولة.

وما يقال عن بعض الآراء: إنها شاذة أو مهجورة أو ضعيفة، فهذا لا يؤخذ على إطلاقه وعمومه، فكم من رأي مهجور أصبح مشهورا، وكم من قول ضعيف في عصر جاء من قواه ونصره، وكم من قول شاذ في وقت هيأ الله له من عرف به وصححه وأقام عليه الأدلة، حتى غدا هو عمدة الفتوى.

وحسبنا هنا آراء شيخ الإسلام ابن تيمية، التي لقي من أجلها ما لقي في حياته، وظلت بعد وفاته قرونا، وظل من العلماء من يعتبرها خرقا للإجماع، حتى جاء عصرنا التي وجد فيها سفينة الإنقاذ للأسرة المسلمة من الدمار والانهيار.

وآفة بعض (الحرفيين) ـ ممن أسميهم (الظاهرية الجدد) ـ أنهم يحسبون أن باستطاعتهم حذف الخلاف في المسائل الشرعية الاجتهادية فرعية أو أصلية، يجمع الناس على ما يرونه حقا وصوابا، ورفض ما عداه مما يعتبرونه باطلا وخطأ.

ونسي هؤلاء أن الإعجاب بالرأي أحد (المهلكات) وأن بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، ومن ذلك أن يحقر رأيه.

إن عيب (الظاهرية الجدد) أنهم يعتبرون وجود حديث نبوي، في موضوع الخلاف قد حسم النزاع، والمخالف لهم، حينئذ مخالف للحديث، ومعارض السنة.

وهم في هذا جد مخطئين، لجملة أسباب:

فقد يعتمدون هم تصحيح الحديث تقليدا لبعض العلماء السابقين، أو المعاصرين من المشتغلين بالحديث، ولكن غيرهم لا يسلم لهم بذلك. وهذا أمر معروف من قديم بين كبار علماء الأمة، وفقهاء السلف، يصحح هذا حديثا،، وغيره يضعفه، لأنه يشترط في ثبوت الحديث عنده ما لا يشترط الآخر، إما بصفة عامة، أو فيما تعم به البلوى، وينتشر بين الناس، وإما لاختلافهم في توثيق الرواة، وتجريحهم. فهذا يعدل روايا، وآخر يعتبره مجروحا.

وقد يقوي أحدهم الحديث بتعدد الطرق الضعيفة التي يروى بها، ولا يسلم غيره له بذلك.

وقد يرى أحدهم الاحتجاج بالمرسل، ولا يرى آخرون ما يراه، وهكذا.. انظر إلى أحاديث مثل الأحاديث التي وردت في تحريم الذهب على النساء، فقد صححها بعض العلماء وضعفها آخرون، والذين صححوها ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة، وبعضهم إلى أنها متأولة، وذلك لإجماع الأمة بجميع مذاهبها على إباحة التحلي بالذهب للنساء، وهو ما استقر عليه عمل الأمة بالفعل طوال أربعة عشر قرنا من الزمان.

وقد ينازعهم المخالفون على افتراض صحة الحديث الذي يعتمدون عليه، بأن الحديث ليس في أمر تشريعي، بل في أمر عادي من أمور الدنيا، مثل حمل العصا في الخطبة أو الأكل باليد، أو على الأرض، ومثل قوله عليه السلام: "عليكم بالإثمد (نوع من الكحل)، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر"، فالمسلم إذا لم يعارض بهذا، وعمل بتوصية طبيب العيون المختص، لم يكن مخالفا لنص، ولا معارضا لسنة.

وقد يكون الحديث في أمر تشريعي، ولكنه تشريع مما ثبت للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصفة الإمامة والرئاسة، لا بصفة التبليغ والفتوى عن الله عز وجل كما قال ابن القيم في حديث "من قتل قتيلا فله صلبه".

وقد يكون الحديث في أمر تشريعي عام دائم، ولكن الخلاف واقع، في دلالته على الحكم، كما إذا اشتمل على أمر أو نهي، فهل الأمر للوجوب، أم للاستحباب أم للإرشاد؟ وهل النهي للتحريم أم للكراهة، وهل الكراهة تحريمية أم تنزيهية؟

هذه الاحتمالات كلها قائمة، وهي أقوال وآراء لعلماء الأصول في دلالة الأمر والنهي، ولكل قول منها دليله ووجهته.

وفي كل من دلالة الأمر والنهي سبعة أقوال على ما ذكر الأصوليون في مبحثي الأمر والنهي.

وقد رأينا الصحابة يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم، أوامر، ومع هذا يترخصون في تركها، لعلمهم أنها لم تكن عازمة جازمة، فإذا ثبت لهم ذلك باللفظ، أو بالقرينة، كانوا أسرع الناس إلى تنفيذها.

وفي أحد الأسفار للغزو، كانوا صائمين في رمضان، فأمرهم بالإفطار، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، متأولين أنه إنما أراد الرفق بهم، ولم يكن في الأمر ما يدل على الإلزام الجازم، فلما اقتربوا من التلاحم مع العدو، قال لهم: "إنكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا" فكانت عزمة، فأفطروا.

ورأيناهم في حديث "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم وأصبغوا" يرون الأمر هنا لمجرد الإرشاد أو الاستحباب، فلهذا امتثل بعضهم وصبغ، وبعضهم لم يصبغ، ومنهم من صبغ بالحناء، وبغيرها، ومنهم من صبغ بالسواد.

وكذلك حديث: لا تسم ابنك ولا غلامك، نافعا ولا يسارا ولا رباحا..الخ، رأيناهم يسمون نافعا ويسارا، كما هو ثابت في أسماء التابعين، مثل نافع مولى ابن عمر، وسليمان بن يسار، وعطاء بن رباح، وغيرهم.

ولهذا رأينا إماما مثل ابن تيمية، يحمل حديث "من مس فرجه فليتوضأ" على الاستحباب.

وكذلك الوضوء من أكل لحوم الإبل، يراه للاستحباب لا للوجوب، خلافا لمذهب إمامه أحمد في المثالين.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أدب السيرة الذاتية الإسلامية .. سلسلة من مقالاتي النقدية ... عبد الفتاح أفكوح منتدى البلاغة والنقد الأدبي 35 05-07-2010 05:48 PM
مشروع "اللَّتْينة" للقرآن الكريم! عطية زاهدة المنتدى الإسلامي 3 23-02-2008 12:59 PM
بيانٌ للعلماء والمثقفين بشأن تهجُّم وزير الثقافة المصري على الحجاب .... وفاء الحمري المنتدى الإسلامي 1 05-12-2006 01:33 AM
الاختلاف بين المسلمين و بيانه ايهاب ابوالعون المنتدى الإسلامي 3 06-10-2006 06:24 PM
ماذا بعد سيطرة المحاكم الإسلامية على الصومال؟(منقول) نايف ذوابه منتدى الحوار الفكري العام 1 20-06-2006 02:59 PM

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 02:21 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط