الزائر الكريم: هذا موضوع تابع للأرشيف، ولذا سيتم نقلك خلال نصف دقيقة إلى موقع مجلة أقلام بحلتها الجديدة، ويمكنك البحث في الأرشيف عن الموضوع السابق والمواضيع القديمة

قصة

 

أحاسيس صحراوية

أيمن جعفر



 

تصدير : ـ

" حينما نفقدُ المكان و الزمان .. تكون غربة !

حينما نفقدُ الأحبّــــة .. تكون غربة !

و حينما تتصحَّـرُ الأحاسيس .. تكون كذلك غربة ! "

أ.ج

***********

 

 

  في السماء اللازورديّـة تتدثر الشمسُ الكسلى بالسّـحب المكفهرّة ، التي لا تختلف ُ كثيرا ً عن أحاسيسه هـوَ . يجوبُ شوارع لندن وحده ، و يصافح وجوه الناس و يلحظ تلكم الإبتسامة المرتسمة على شفاههم ، فيما هو قد هجرته الإبتسامة مذ أمد ٍ بعيد !!

كان يسيرُ لا يلوي على شيء ، لا لشيء ٍ سوى صرف بضع الوقت أو ربما البحث عن شيء ٍ ما هو بحاجة ٍ له اليوم ، لكنه لم يتعرَّف إليه على وجه الدقة . خطوات ٌ سريعة و أخرى بطيئة أو لنقل فوضويّـة بعض الشيء ، و هو أمر ٌ لا يبدو له ذات أهميّــة فما يشغله الآن ، يجعله

في بعد ٍ عن الإلتفات له . دونما تخطيط ٍ مسبَـق ، و صدفة ً ألفى نفسه أمام المقهى اللندنيّ الذي يهوى ، فوجدها فرصة ً لإرتشاف فنجان قهوة ٍ في هذا الجوّ البارد .

طلبها ـ أي القهوة ـ مرَّة ً كما يحلو له ارتشافها ، قطرة ً قطرة ً ، متجرّعا ً مرارتها ، و متذكرا ً

ما يسعه الوقت بتذكره . هذه المرّة ، و رفقة َ القهوة تذكرَ ما كان من أمره مذ قرابة السّـاعة ، إذ تذكرَ سؤاله المباغت له ، و الغريب : " لماذا الحبرُ مرٌّ ؟؟!! "

يتذكرُ أنّــه أجابَ في قرارة نفسه ، بتحليل ٍ فلسفيّ ، أقربَ إلى التشاؤميّ منه إلى التفاؤليّ ، بأنَّه كذلك لأنَّ الحروف تصطبغ ُ بالمرارة و بطعمها ، جرّاءَ غَرْفها من أحاسيس مرّة دائما ً .

لكنه استدركَ،حينها ، ببطلان الحكم على الأحاسيس بالمرارة دوما ً ، و حكمَ ـ في مثل هذه اللحظة ـ بأنَّ الأحاسيسَ لا تكون في كلّ الأحوال كذلك ، مرّة ً !!

اهتدى إلى استنتاج ٍ آخر يفضي إلى أنَّ الأمور تنالُ دوما ً بكلّ ما هو مرّ ، فالصبر المعتَصـم به لنيْـل ما تصبو إليه النفس مرّ ، و كذا كل شيء .

سخرَ في ذات نفسه ، و هو يتذوّق مرارة القهوة ، فحتى هذه القهوة التي يرتشفها

صباح \ مساء مرّة الطعم !!

   الرياحُ تداعبُ خصلات شعره ، و تعبثُ بأوراق كرّاسته التي يدوّنُ فيها كتاباته بفضوليّـة جليّـة . انتبه ، ثم ما لبث َ أنْ وضعَ يده عليه لئلا تتطاير ورقة منه، و حرمَ بذلك الرياح من لذة فضولها  . حدَّقَ العنوان في عينـيْـه : " أحاسيس ٌ صحراويّــة ٌ " . تساءل في قرارة نفسه عن أيَّـة ساعة ٍ من ساعات الإلهام أو الهذيان حتى ، تلك التي فيها اختارَ هذا العنوان !!!

لِــمَ اختارَ ـ بادئ ذي بدء ـ أوّل كلمة " أحاسيس " ثم أتى على وصفها بالصحراويّــة ؟

أيَّــة أحاسيس ٍ هي ذي الصحراويَّــة الشكل و المضمون ، و أي طعم ٍ لها ؟

أهي َ كقهوته هذه مرّة ٌ ؟

و لماذا عَــنْوَنَ  كرّاسته ،التي يعتبرها  مسْوّدّة ً لكتاب ٍ جديد ٍ له،بهذا العنوان ؟؟

 

 

 

استثارته تلك الأسئلة ، و حرّكتْ فيه الرغبة لتصفح كرّاسته . تصفحها بتؤدة . ادلهمّـتْ

أحاسيسه على نحو ٍ غريب . اختنقَ .. امتعض َ .. تواثبتْ مشاعره ، و ترانيم حزينة مفجعة ذات صدى في قلبه تتعالى . صفع َ الكرّاسة في لحظة لا وعي ، و تركَ ثمن الحساب ،

و استأنف مسيره الفوضويّ !!

 

إذ ذاك شرعَ المطرُ اللؤلؤيّ بالتساقط ، و على حين غرّة سمعَ بصوت ٍ غير مسموع :

" أتعلمينَ أيَّ حزن ٍ يبعثُ المطر ؟

و كيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر ؟

وكيف يشعرُ الوحيد ُ فيه بالضياع ؟

كالدم المراق بلا انتهاء ٍ ـ كالجياع ! " (1)

تكهربت روحه على وقع هذه الأبيات ، و لا يدري أيّــة دهاليزَ سلكتها تلك الأبيات في قلبه ، لتوقظ أحزانه الغافية ، و التي شرعت في الإنهمار ، تماما ً كالمطر !!

أيَّ حزن ٍ يبعثُ المطر ؟؟!!

و كيف يشعر ُ الوحيدُ فيه بالضياع ؟؟!!

زلزلته هذه الكلمات ، جعلته يسيرُ ببطء .. يتنكأ جراحه التي تنزّ سيولا ً . يحدّقُ في المطر .. في حزنه و في غربته . إذ ا ً فالمطر مثله حزين ٌ و غريب . ترى أوَجَدَ ـ أخيرا ً ـ حزينا ً و غريبا ً مثله ؟؟

المطرُ يغتربُ عن وطنه السماء ، يأتي إلى الأرض غريبا ً ، في كل مكان يأتي ، يجده في الشوارع ، و على الأرصفة ، يلتصق بالنوافذ و الأبواب ، على المعاطف و الملابس ، على المصابيح و الأشجار ، و في كل مكان .

يأتي المطرُ و تفرحُ به العناصر ، و ترقص لمرآه النباتات ، لكنه حزين ، و يشعر بالغربة . برودة غربة ٍ تسري في أوصاله ، لا تدفئها  أيَّـما حرارة ٍ على الأرض ، فيظلّ المطر دوما ً

باردا ً ، فيما هو بالداخل يحترق .. و ينتحب . ربما شفقة ً عليه تنتحبُ الرياح .

" المطر أبيض ٌ

و كذلك أحلامي .

تُرى هل تفرّق الشوارع بينهما ؟

المطرُ حزين

و كذلك قلبي .

ترى أيهما أكثر ألمـا ً ...

حينَ تسحقهما أقدام العابرين ؟" (2)

تومضُ تلك الأبيات في عقله . تغتالُ تفكيره . يلعنُ في ذات نفسه حفظ الأبيات هذه و تلك التي

تهيّـجُ مشاعره ، و تجعله في حالته هذه .

يفكرُ أكثر بالمطر ، و بغربته . المطرُ يهطل غريبا ً و حزينا ً ، مثله ، يعاني الحرمان و يقتله الحنين كذلك مثله . بَـيْـدَ أنَّ المطرَ يموتُ غريبا ً كذلك حينما تنطفئ روحه ، فهل يموت هو كذلك غريبا ً ، محروما ً من قطعة أرض ٍ في وطنه ؟؟

تنتفضُ روحه ، و استحالت الصورُ وحوشا ً كاسرة ً تنهشه ، و تطعنه بلا رحمة . فهل يموت هو كذلك غريبا ً ، مثل المطر ؟

هل تنتهي غربته هذه في لندن بالفناء ، و تنطفئ جذوة حياته في هذه الأرض الغريبة ؟؟

انتفاضته تزداد ، و المطر يفتح ذراعيه له . يضمّـه و يهمسُ فيه بأنها الغربة .

منذ أنْ وطأت قدماه هذه المدينة ، للدراسة ، و هو على أمل العودة للوطن ، و هو يتجرّع كؤوس الأيّــام العلقميّــة ، و يمنّي النفسَ و يقول : " غدا ً أعودُ و أنسى "!!

تراه ُ هل لا يعود ُ و في غربته ـ بعدُ ـ يُنسى ؟؟

 

 

كانت الساعات ُ سلحفاة ً تعبرُ مسارات الوقت ، و حياته ليلٌ بلا فجر ، و بلا قمر !!

صباحاته مظلمة ٌ لا شمسَ فرحة َ فيها تشرق ، و قلبه أرضٌ ملغومة ٌ  بالألغام تتفجّـر بين الفينة و الأخرى . الآن تتراءى له الصور السوداء الحزينة ، التي بعثها المطر إليه ، و راقبَ

بمقلتيه الروحيّـة كيف وجدَ الأمل نفسه عابرَ سبيل ٍ ، غريب ، على أرصفة قلبه يتسكع !

في كلّ ليلة يكتبُ في كرّاسته جملة  " غدا ً أعودُ و أنسى " . ترى أيَّــة جملة ٍ سيكتبها الليلة ؟

أسيكتبُ : " لا .. لا .. لا لن تعود .. فاحزن أيها القلب و متْ أسَـفا ً و أسى " ؟؟

يلفّ وجهه شحوبٌ غريب ، هو ناجم ٌ قطعا ً عن شعوره باحتماليّـة موت الأمل في داخله ، هكذا

فجأة ً ، و بكل بساطة !!

ألسنا نزرع الأمل في القلوب ، و الحلمَ نرعاه طفلا ً و شابا ً و كهلا ً و شيخا ً في العقول ، و نشذب مشاعرنا  و نهدهدها بهذا الأمل ؟

فما حالنا إذن إذا أصبحنا ذات َ لحظة ٍ لنجدَ حديقة الأمل التي غرسنا شتلاتها ، و رعينا أشجارها ، و سقينا بدم الحرمان نباتاتها ، و سَيَّجْـنا أطرافها ، أصبحتْ يبابا ً كالصَّـريم ؟!

و ما حالنا إذا وافانا خبر موت الفجأة لحلمنا الذي أحطناه برعايتنا و حناننا ؟؟!!

لا شيء يعادلُ الفَـقْدَ المباغت ألما ً . و لا شيء أمضّ من الموت غريبا ً .

أزاحتْ ذاكرته الستار عن ذكريات يومه هذا . اليوم عيد الفطر ، و كم تمنى أنْ لو تلقى تهنئة من أيّ شخص ، فالجميع في الوطن حبيبه . لم يتلقَ شيئا ً ، لا اتصالا ً ، لا رسالة ً في هاتفه أو في بريده الإلكترونيّ . حتى حينما أمسكَ بزمام المبادرة ، و أرسلَ لأكبر عدد ٍ ممكن ٍ منهم الرسائل ، لم يتلقَ الرد . اتصل بأهله صباحا ً ، لم يردّ عليه أحد . لا يدري لمَ .

الإحتمالات عدّة ، لكنه لن يقف عندها بكثير من التساؤل . المهم أنّــه لم يتلقَ اليوم تهنئة ً .

لم يشاطره أحدٌ فرحة العيد . لم يجد أيّـما شيء من مراسم العيد  .

لا زال ـ إذن ـ وحيدا ً ، يحتفل مع روحه المكلومة بالعيد . يتذكر هذا و يلوحُ طيف سؤال ٍ عن

هؤلاء الذين تزدحم بهم شوارع مدينة الضباب تحت بكاء السّـماء و غربة المطر :

" مَـنْ هنا سيهنئه بالعيد ؟

مَـنْ يحفلُ لأمره ؟ مَــن ْ يتصدّقُ عليه بابتسامة ٍ أو نظرة ٍ رؤوم ؟ "

يطعنه احساس الغربة هذا . فما الذي يعني لهؤلاء عيد الفطر ؟؟

  المطرُ الغريبُ يبكي ، و لا أحدَ يحفلُ له . الرجال و النساء يحتمونَ بالمظلات و يدعونه ينهمرُ مدرارا ً ، دونما اكتراث ٍ به . الأطفال الصغار يستقبلونه بالفرحة ، و يلعبون .. يفرحُ هو لبعض الوقت ، لكن سرعانَ ما ينصاعونَ لأوامر آبائهم و أمهاتهم بالكفّ عن ذلك . يتركوه وحيدا ً مجددا ً ، غريبا ً . في هذه المدينة التي لا يربطه بها سوى ارتباط وجوده الجسديّ فقط ، كيف له الإحتفال بالعيد ؟؟

 تتابعت خطواته ، و عقله يسبحُ في الذكرى ، و يغرق في تأملاته . عبثا ً ، مشيه ، وجوده .

و كل شيء هنا لا يجلبُ له النفع ، فما قيمة ذلك أمام لحظة ٍ في وطنه ، و بين أحبته ؟؟!!

يستعرضُ أشرطة أعياده الماضية  ، و يسبر غوْرَ سعادته آنئذ .

 

صوت أمه ، و هيبة والده ، و ( العيديّـة ) التي فرحَ بها في صغره ، و همسُ ابنته الوحيدة

و تلعثمها و هي تقول له : " بابا .. عي .. عيدك .. مبا ..آآ .. رَّ..ك .. مبارك " .

و زوجته ، و أصحابه ، و أهله ،و كل شيء في العيد يتذكره . تتفجّــر الصورُ بركانا ً .

 يختنق . عبثا ً يحاول كسرَ اسار

هذه الصور العذبة وقتها ،  السميّــة الآن !!

توقفتْ الأمطار عن التساقط ، فيما لو تتوقفْ أمطارُ الذكرى التي ما فتئت تتساقط سوداء .

أفاقت الشمسُ و نزعتْ عنها جلباب السحب . نظرتْ إليه برقة ٍ ، بَـيْـدَ أنه لم يحفل لأمرها

فقد كان جافلا ً ، مفكرا ً في غربته و موت المطر !!

ربما خرجَ اليوم ليحتفل بالعيد ، و ليمنح القلم اجازة ً لبعض الوقت ، لكنه الآن يجدُ في نفسه

ما يستحق غَـرْفَـه و تدوينه في كرّاسته " أحاسيس صحراويّــة " و ربما اهتدى إلى كُـنْـه اختياره لهذا العنوان .

 

( تمَّـــت )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع